aren

جهاد الزين والدراما السورية \\ بقلم : د. فؤاد شربجي
الأربعاء - 13 - يونيو - 2018

 

من جديد ، تنال الدراما التلفزيوينة السورية ، التقدير من الأستاذ جهاد الزين ، بماكتبه في جريدة ” النهار” اللبنانية .

ومثل هذا التقدير عندما يصدر من قامة فكرية وثقافية واعلامية كالأستاذ جهاد الزين ، لابد أن تشحن صناع ومبدعي هذه الدراما بالتشجيع على الارتقاء أكثر ، وأكثر .

ان التقاط الأستاذ الزين ، لمقومات الدراما التلفزيونية ، من الخصب الى استيعاب التراث المسرحي العالمي ، الى الثقافة المهنية الفنية ، الى انضباط الأداء التمثيلي الاكاديمي ، الى الاصرار على المحتوى ، كأساس للانطلاق الى جمالية التعبير .

كل هذا ، كان التقاطا لهوية الدراما التلفزيوينة السورية الاساسية ، باعتبارها انتاجا ثقافيا ابداعيا ، معنيا ببناء الوجدان الانساني ، ليكون أكثر عصرية وحداثة ، وتفاعلا مع القضايا الملحة ، والاسئلة المطروحة على انسان هذا العصر ، وهذه البلاد .

طبعا لم يكن مطلوبا من الأستاذ الزين ، الخوض في الحرب التي تشن على الدراما التلفزيونية السورية ، وليس من وظيفته كناقد ، أن يعالج تاثير الحصار الذي تمارسه المحطات العربية ضد الدراما التلفزيونية السورية ، رغم أن كل ذلك أثر ويؤثر على هذه الفعالية الثقافية الفنية الابداعية ، الاكثر عروبة ، والاعمق تمسكا بقضايا الانسان العربي.

ان سياسة المحطات العربية بمقاطعة الدراما التلفزيونية السورية وحصارها ، هو عمل يستهدف الثقافة الابداعية السورية ، ويسعى للنيل من وجودها ، أو أخذها بعيدا عن هويتها الثقافية الفنية الابداعية ، وتوظيفها في سياقات السخف ، والتفاهة السائدة.

واستكمالا لتقدير الأستاذ الزين ، وفيما يتعلق بموضع حصار المحطات للدراما التلفزيونية السورية ، فان المراقب لايستطيع الا الاقرار بان هذه الدراما ، استطاعت ان تبقى ، وأن تستمر وأن تنتج رغم الحصار ، واستطاعت أن تجد المنافذ ، وكان لبنان ، أفضل البيئات تفاعلا معها ، ومبدعو الدراما السورية ، لم يكونوا ابدا (نازحين فنيين) في لبنان ، بل كانوا يكملون مسارا بدأوه من قبل مع الساحة الفنية اللبنانية .

وهي ساحة نشطة متفاعلة ومحفزة ، واستديوهاتها أو بيئتها بالاجمال ، كانت امتدادا لاستديوهات وبيئة الشام ، التي بدأت باحتضان التفاعل الفني الابداعي اللبناني السوري .

– ولاشك – أن الأستاذ جهاد الزين ، عندما وصف الموضوع بأنه قضية (نازحين فنيين) ينزحون الى (مخيمات فنية لبنانية ) ، كان يريد أن يربط الامر بما عاناه الشعب السوري ، واضطره الى النزوح ، أي انه أراد ربط العملية بالظرف ، ولم يكن المقصود أبدا ، أن هؤلاء الفنانين والفنيين المبدعين وأعمالهم في حالة نزوح . انما هم في حالة سعي لتفعيل انتاجهم ، وهم ينتجون في سورية ، ويريدون أن يفعلوا انتاجهم في هذا الامتداد الابداعي ، الذي يرتبطون به ، والمسمى (لبنان) .

ان اعتبار الأستاذ الزين ، ان الدراما التلفزيونية كانت بمثابة تنفس نقدي ، هو صحيح جدا ، خاصة وأن مبدعيها كانوا يعوون أنهم ينتجون ويمارسون فعلا ثقافيا ، لايكتمل بدون الروح النقدية ، التي تعطيه تميزه.

وانني أضيف ، ان الدراما التلفزيونية كانت واستمرت بكل أحوالها ، ردا على تخلف وتهافت الاعلام ، كما أنها شكلت موردا ثقافيا للمجتمع السوري خاصة ، والعرب عامة ، لذلك فان محاربتها وحصارها ، ليس اعتداء على السياسة السورية ، بل عدوان على ثقافة ابداعية عربية انسانية .

وكما قامت المحطات العربية بحصار الدراما التلفزيونية السورية ، قامت الجهات الرسمية السورية ، بالتعامل معها باعتبارها ” سلعة ” ، يجب ان تربح أو أن تسترد رأسمالها ، وهذا التعامل المنافي لدور الدراما الثقافي والفني الابداعي ، ساهم في اضعافها ، واكمل مابدأه حصارها .

ولم تنتبه الجهات الرسمية المسؤولة عن الانتاج ، أن الدراما التللفزيوينة ، طاقة تشحن الوجدان الشعبي ، وتقويه لمواجهة الارهاب التكفيري ، وللتزود بالامل الوطني ، وهي ليست سلعة ، يستطيع محاسب أو آلة حاسبة ، انه في حالة عدم وجود سوق وربح لها ، أن يهملها أو يقزمها . وماتم انتاجه لايتناسب وأهمية هذا السلاح الثقافي الفني .

وهكذا ، فان السؤال الملّح للدراما التلفزيونية ، هو : بعد الحفاظ على استمرارية وجودها ، رغم الحصار السياسي من المحطات العربية ، ورغم العقلية الضيقة للجهات الرسمية السورية المسؤولة عن انتاجها . بعد الحفاظ على استمراريتها ، ألا يرى صناع الدراما السورية،انهم مازالوا يمارسون النقد بعقيلة ماقبل عام 2010 ؟!

ألم ينتبه صناع الدراما ، الى أن سلوك ونهج الدعاية السياسية ، لا يحقق نفعا وطنيا ، بل يضيّع الروح الفاعلة المحفزة للدراما في تحقيق الارتقاء الوطني ؟!.

أما ، وقد نجحت الدراما التلفزيوينة السورية في الاستمرار والبقاء حية ، رغم ظروف الحرب والحصار وعقليات الصراخ الوطنجية ، فانها مطالبة بالتعامل مع مابعد الحرب ، كما انها كفعالية ثقافية ابداعية ، مطلوب منها طرح اسئلة الحاضر، واستشراف المستقبل ، ودائما يتوجب عليها الارتقاء في تلبية حاجات المشاهد السوري خاصة ، والعربي عامة ، تجاه التحديات المصيرية والحياتية التي تطرح عليه ، وتهدده .

مطلوب من جهات الانتاج الرسمي ، التعامل مع الدراما التلفزيونية ، كسلاح ضروري لاعادة عمران الوجدان الوطني ، وهذا يتطلب عدم رهنها بالتسويق والربح ، بل ربطها بالبث ، والنشر ، والتأثير.

وهذه الريادة لمؤسسات الدولة ، هو مايحفز القطاع الخاص الوطني ، على تخصيص ميزانيات ، تشارك في بناء الوجدان الوطني ، عن طريق انتاج دراما تلفزيونية راقية وحضارية ، تحقق للقطاع الخاص مكانته في الاسهام الحضاري الوطني ، بعيدا عن قسم المحاسبة ، وسيطرة أرقام دكنجية السوق.

ان تقدير مفكر وكاتب كالأستاذ جهاد الزين ، كما أن تفاعل النخبة اللبنانية الفنية ، يعطي الامل بهذه الدراما وصناعها ، ويحفز كل معني بها ، بضرورة استعادتها لجوهرها الثقافي الابداعي ، المستمد من الحاضر والانسان وقضاياهما ، والمتطلع للحرية والارتقاء والمستقبل ..

شكرا للبنان … شكرا للأستاذ جهاد الزين