aren

جنيف بين استراتيجية ( القتل والدمار ) وبين استراتيجية ( المصالحة والعمران ) …. د.فؤاد شربجي
الخميس - 23 - فبراير - 2017

 

 

من الواضح أن هناك قوى تعمل باستمرار لافشال المسار السياسي ، واجهاض كل جنيف ، بطرح مطالب ليست الا تفخيخا لامكانية الحل ، ونسفا لمرجعية التفاوض ( القرار 2254 )، وهذا ما يجعل هذه القوى ، تقع في تنفيذ استراتيجية الغرب الصهيوني تجاه سورية ، والقائمة على مبدأ (ليقبروا بعضهم) ، وهي الاستراتيجية التي تبقي النزاع مستعرا ، وتزود الاقتتال بالنار ، التي تقتل الجميع ، كي تدمر سورية أكثر وأكثر ، وأكثر …

رئيس مؤتمر ميونخ للأمن ، فولفجانج إشينجر ، وهو بالمناسبة رئيس المنظمة الاوروبية للأمن والسلام ، أي أنه من واضعي السياسات الاستخباراتية والأمنية والعسكرية ، تحدث الأسبوع الماضي بمناسبة انعقاد مؤتمر الأمن في ميونخ ، شارحا الاستراتيجية الغربية في سورية .

والتي تقوم على ضرورة تزويد كل قوة عسكرية من القوى الموجودة في سورية : قوة الدولة ، قوة الجيش الحر ، قوة الفصائل المسلحة الاسلامية ، قوة داعش ، قوة النصرة ، تزويدها بكل ما يجعلها قادرة على الاستمرار في الاقتتال ، كي تنهك قوى الجميع ، وكي يجلسوا الى طاولة المفاوضات خائري القوى ، فيقبلوا بالمطروح عليهم من الحلول …

رئيس مؤتمر ميونخ للأمن ، قالها بصراحة ، وكان معناها واضحا : ( اقتلوا بعضكم أيها السوريون ، اقبروا بعضكم ، وسنظل نزودكم بما يقتلكم ، حتى تركعوا ، فوق دمار بلادكم ، وأشلاء شعبكم ، وتصلوا الى قبروكم ) .

وهكذا ، فالأمر واضح ، الغرب يزود المعارضة والفصائل وداعش والنصرة ، بكل ما يبقي الاقتتال مستمرا ومستعرا ، ليحافظ على (القتل المستدام) وليبقي المقابر مفتوحة ، وليدمر ما بقي من بنية تحتية ، وأسس الحياة .

والوهم الذي يفتح شهية هذه القوى المقاتلة والارهابية ، هو وهم الاستيلاء على كرسي الحكم ، دون الانتباه الى أنه بعد اسقاط الدولة ، وتدمير البلد، وقتل الشعب، لا معنى ولا وجود لأي كرسي حكم ، فأي جنون يدفع هؤلاء للاستمرار في اجهاض الحل ، كشكل من أشكال اعتماد استمرار الاقتتال والتدمير ؟؟؟

ان هزيمة المعارضة والفصائل المسلحة والارهابية في حلب ، كانت ذروة الهزيمة لمشروع اسقاط الدولة والقفز على كرسي الحكم ، وكانت التعبير الاوضح لفشل سقوط المشروع ، الذي اعتمد الفوضى والتدمير والتكفير ، لاسقاط سورية والغاء فعاليتها الوطنية والاقليمية والانسانية الحضارية.

وهذا مايجعل الارهاب والفصائل المعارضة المستندة اليه في حالة افلاس ، ضمن ميزان القوى العسكرية والسياسية ، وان الواقعية ، ان لم نقل الوطنية ، تستلزم أن تعمل هذه القوى العقل ، وترضخ للوقائع والحقائق ، وتكف عن المكابرة ، وعن استمرارها في لعب دور الصاعق في اشعال الاقتتال كلما هدأ .

والعقل يقول ، أن لا أمل لهذه المعارضة وفصائلها وارهابها ، في تحقيق القفزة الى كرسي الحكم ، وأن استمرارها في تعطيل الحل ، ما هو الا استمرار في فتح المقابر كاستراتيجية (افناء ذاتي) ومحاولة افناء وطني – لن تستمر حتما – ولن تنجح أبدا .

في السنوات الست الماضية ، شبع السوريون معاناة وموتا وتدميرا ، وكره السوريون كل ما يقال تحت شعار الثورة ، لان هذا الشعار سرق استقرارهم ، ونغص عيشهم ، وقتل أبناءهم ، ودمر مدنهم وقراهم ، وجوعهم ، وعطشهم ، وشردهم …

السوريون لم يعودوا قادرين على قبول أي شعار يبقي الاقتتال ، ويديم التدمير ويفاقم المعاناة في المعاش والممات ، السوريون يريدون الحل ، يريدون المصالحة الوطنية ، التي تفتح الطريق من جديد أمام الدولة لاستعادة العمران الشامل ، عمران البشر والحجر ، عمران العقول والنفوس ، عمران المؤسسات والبنى ، عمران الروح الحضارية السورية الاصيلة القائمة على العدالة والمساواة والمشاركة ، والابداع .

لم يعد السوريون قادرين على تحمل استراتيجية (القتل والمقابر) ويتمسكون باصالتهم وروحهم واستراتيجيتهم القائمة على (المصالحة والعمران) ، ومن يفشل أي مسعى للحل ، يوصل ل (المصالحة والعمران) ، يفتح الطريق ويديم فعالية (القتل والمقابر) ، وهو العدو الحقيقي لكل سوري ، وهو المنفذ الأمين لاستراتيجية الغرب الصهيوني ، الذي قالها صراحة رئيس مؤتمر ميونخ للأمن ، داعيا بلادهم لدفع السوريين ، (ليقبروا بعضهم ) .

السوريون ، مبدعو حياة وحضارة ، أما منتهجو القتل والتدمير ، فهم غرباء عن الشعب السوري وحضارته وكينونته – بل اعداء له- وفي جنيف ، وعلى مسار الحل ، تبيض وجوه وتسود وجوه ، تكشف نفوس ، وتفضح طوايا ، والتاريخ كالشعب ، لا يرحم ولاينسى أعداءه ، حتى لو كانوا من أبنائه .