aren

جردة حساب واستراتيجية جديدة \\ بقلم : أنيس نقاش
الأحد - 3 - ديسمبر - 2017

 

تقارب الحرب على نهاياتها في سورية دون ان نتمكن حتى الان من اعلان النهاية, والسبب انه كلما تقدمنا في الانتصارات العسكرية ، وسيطرنا على مساحات لصالح الدولة السورية. بعد ان خرجت هذه المناطق من سيطرتها, وبقيت لفترات ليست بقصيرة تحت سيطرة مجموعات سياسية وايديولوجية متعددة حاولت نشر فكرها الخاص, المشترك فيه بين كل هذه المجموعات, انه فكر اما تكفيري ، أو تفتيتي.

وبالتالي ، أثر ذلك على وحدة النسيج الاجتماعي للمجتمع السوري , واعاد طرح مسالة الهوية وتماسكها, كمعضلة اساسية أمام المجتمع السوري ، وأمام اصحاب القرار في الدولة السورية. كما ان تراجع المجموعات المسلحة, على مختلف الوانها ومرجعياتها الفكرية, والقوى التي تقف من خلفها, بالدعم المادي والسياسي والاعلامي ، ادى ذلك الى تقدم ما بات يعرف بالأدبيات السياسية, بتراجع الوكيل ، وتقدم الاصيل.

ولذلك ، نلاحظ تراجع ادوار بعض المنظمات ، لصالح تقدم تركيا بقواتها ، بشكل علني وحضور مباشر على ساحة الصراع العسكري ، والسياسي. كما ان تراجع أدوار بعض المجموعات ، التي لا تعرف على أي اسم يجب أن تستمر, أو تحت أية عنوان وأهداف, مقابل انكشاف الدور السعودي الخليجي المباشر,كطرف من أطراف الصراع .

كذلك حضور القوات الاميركية مباشرة على الارض السورية – ليس لوحدها- بل مع قوات فرنسية وبريطانية وألمانية, بنسب أقل بكثير, ولكن بحضور له مدلولاته, كدور للغرب عموما وللولايات المتحدة وأوروبا بشكل علني في الصراع, ولو من خلال التلطي خلف الاكراد.

اذا ، نستطيع القول : انه مع التقدم العسكري لصالح الدولة السورية, هناك ألغام جديدة عنوانها , تحدي اعادة بناء المجتمع السوري , وظهور القوى الاقليمية والدولية مباشرة على ساحة الصراع. جردة الحساب هذه ، تدعونا الى الدخول من خلال استراتيجية جديدة, تختلف بعناوينها عما كانت عليه عناوين الاستراتيجية السابقة ، التي عنوانها ” محاربة الارهاب”.

لان هزيمة الارهاب (سياسيا وعسكريا) ، أصبحت شبه محققة, ولكن هزيمة التقسيمات التي ما زالت تضرب في مجتمعات المنطقة, وليس فقط في سوريا ، كما نواجه الحضور المباشر للقوى الاصيلة, اقليمية كانت ام دولية.  ونحن نعتقد ان هذان الموضوعان ، هما لب المشكلة ، التي اطاحت بأمننا ، وادخلتنا في كل هذه الحروب, ان كان في سوريا أو بدول أخرى في المنطقة. وهي مشكلة الهويات المكونة لمجتمعاتنا, ومشكلة التدخل الخارجي نتيجة ضعفنا.

لذلك ، فاننا ندعو وباسرع وقت ، الى رسم استراتيجية تصدي جديدة يكون هدفها, اعادة بناء مفهوم الهويات المتعددة, من خلال انتصار السياسات الموحدة. لاننا نعتقد وبقوة , ان السياسات الناجحة ، هي التي تنصر الهويات وتدعمها, وتجعل هوية ما ، هوية تقدمية موحدة ، صاحبة مشروع تاريخي , او اذا ما فشلت السياسات ، فتتحمل الهويات التي تحركت من خلالها وتحت ظلالها, بانها هويات مهزومة مأزومة ، لا مستقبل لها.

كما ان هذه الاستراتيجية الجديدة ، يجب ان يكون لب أهدافها ، ايقاع الهزيمة الواضحة البائنة بالقوى الخارجية والاقليمية ، التي تتدخل ضد مصالحنا ، وضد شعوبنا. الاستراتيجية الجديدة ، يجب ان يكون عنوانها ، استكمال مرحلة التحرر الوطني ضد تدخل القوى الدولية وخاصة مسألة حماية اسرائيل, كمخلب للاستعمار القديم والجديد ضد منطقتنا . ومنع القوى الاقليمية الطامحة ، لاعادة بسط هيمنة اقليمية على بلادنا. من تحقيق أهدافها.

أهداف هذه الاستراتيجية الجديدة وشعاراتها ومهماتها, يجب ان تتبلور بسرعة من أجل توضيح صورة المرحلة الجديدة وأهدافها ، ومن أجل حشد الطاقات المطلوبة لتحقيق أهداف هذه المرحلة.

الأوضاع السياسية والتركيبة الحزبية في العراق ، لا تسمح من وجهة نظرنا, ان يقود العراق هذه المرحلة, لانه ما زال قاصرا عن تحديد من هم الاعداء ، ومن هم الاصدقاء ، وما هي المصالح العليا للاقليم, بسبب تنوع المواقف الحزبية والسياسية في هذا البلد ، وعدم وجود قيادة موحدة.

اما في سوريا فالقيادة موحدة, حلفاؤها موحدون من حولها , ويعرفون من هم الاعداء ، ومن هم الاصدقاء. سوريا اليوم , ان هي حملت مسؤولية قيادة وأمانة القضية الفلسطينية, التي لم يعدهناك, بنظرنا من هو حامل بامانة ، وكفاءة هذه القضية. كما ان سوريا, التي كان لديها النظرة التاريخية ، الواضحة لطبيعة الصراع الجاري في المنطقة, هي المأهلة لقيادة المرحلة القادمة. بما ينقذ سوريا والعراق والاقليم عموما, من مخاطر المرحلة القادمة.

في هذه الاستراتيجية الجديدة ، يجب ان تكون المهمات واضحة تجاه كل طرف ، ومعروفة المآل والاهداف. لاهوادة مع الاعداء الخارجيين ، وقوى الاستعمار القديم – الجديد, ولاهوادة مع العدو الصهيوني, لانه لب مشكلة المنطقة ، وأساس استراتيجيات الغرب تجاهها.

اما القوى الاقليمية, مهما بغت واخطأت بحق الاقليم, فذلك يعود لأسباب تاريخية, كانت تعتقد أنها قادرة على اعادة عقارب الساعة فيها الى الوراء واعادة مجدها. وهذا ثبت استحالة تحقيقه. واما  لاسباب حفظ المصالح من خلال التدخل الفاعل في الاحداث, لتحفظ تلك المصالح.

في الحالة الاقليمية ، المهمات مزدوجة ولكن متكاملة. علينا افهام القوى الاقليمية باستحالة تحقيق السيطرة والتفرد بالاقليم, وفي المقابل نطرح الشراكة البناءة ، التي تحفظ حقوق ، ومصالح الجميع. القوى الاقليمية محكومة – كما نحن – بالجغرافيا وترابط المصالح, وهي بالتالي تختلف عن القوى الخارجية. القوى الاقليمية ، تشترك معنا بطبيعة النسيج الاجتماعي ، وهي مهددة – كما نحن – بتمزيق هذا النسيج من قبل القوى الخارجية. ولذلك علينا الفصل بينهما, وتبيان المشترك والمختلف ، بيننا وبينهم.

بناء استراتيجية ما بعد القضاء على الارهاب, هي الاستراتيجية المطلوبة ، لاعادة بناء الاوطان وبناء الاقليم.

 

منسّق شبكة الأمان للبحوث والدراسات الإستراتيجية

 

هذه المقالة تعبر عن رأي صاحبها