aren

ثلاث أزمات بدلالات هيكلية عميقة \\ كتابة :د.محمد الصياد
الجمعة - 8 - مارس - 2019

 

مجلس الأمن الدولي المصغر، هو في الواقع السلطة العالمية العليا المعنية بالمحافظة على توازن الرعب وتوازن المصالح (نسبياً) بين الأقطاب الخمسة الكبار الحائزين الأسلحة النووية المدمرة، والحصة الأعظم من الثروات والموارد والأصول المادية وغير المادية، والطاقة البشرية، فضلاً عن حصة عظمى من الجغرافيا العالمية، والتي تحكم العالم وتسير شؤونه وفقاً لحسابات الربح والخسارة، أو وفقاً لمتوسطها (السائد عرفاً) والقائم على معادلة رابح رابح بين الكتلتين المتضادتين، الكتلة الأقوى (الولايات المتحدة، بريطانيا، فرنسا)، والكتلة القوية الصاعدة (الصين وروسيا).

الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، تشكل، بهذا المعنى، مركز الثقل بالنسبة للمنظومة الرأسمالية التي تدور في فلكها. وهي اليوم، ويا للمفارقة التاريخية، تتعرض بشكل متزامن، لامتحانات، تمثل في رمزيتها، شكلاً من أشكال نزف النقاط في الصراع الخفي الدائر خارج حلقة التداول للسلطة العليا (مجلس الأمن الدولي المصغر). فبريطانيا قلقة من حالة اللايقين التي أوقعت نفسها فيها منذ قررت أغلبية ناخبيها الانسحاب من عضوية الاتحاد الأوروبي في الاستفتاء الذي جرى في 23 يونيو 2016، والذي جاءت نتيجته لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي بنسبة 52% في مقابل 48% لمعسكر البقاء، وذلك في استفتاء تاريخي خرجت فيه المملكة المتحدة من عضوية الاتحاد الأوروبي التي استمرت 43 عاماً.

فقد كانت البلاد مخضوضة حتى الساعات الأخيرة من عام 2018، فقررت تأجيل البت في مصيرها لما بعد عطلة أعياد الميلاد. وكان منظر رئيسة وزرائها، تيريزا ماي، وهي تتنقل بين بروكسل ولندن، بائساً وهي تتسول رضا ومباركة أعضاء حزبها المحافظ ونواب حزبها في مجلس العموم وكتلة مناسبة من نواب حزب العمال المعارض، وفي الوقت ذاته إرضاء مفوضية الاتحاد الأوروبي في بروكسل، وقبلها ممثلي الدول الأعضاء ال 27 على خروج سلس وآمن لبلادها من الاتحاد قبل انتهاء الموعد النهائي للمهلة الزمنية المتاحة أمامها لمفاوضات الخروج التي تبلغ سنتين بموجب المادة 50 من اتفاقية لشبونة، والتي تنتهي يوم الجمعة الموافق 29 مارس الجاري.

أما فرنسا، فقد اجتاحتها على نحو داهم موجة غضب شعبي عارم أطلقتها ما تسمى حركة «السترات الصفراء» في السابع عشر من نوفمبر 2018، بعد أن كانت قد أعلنت عن نفسها في احتفالات أعياد العمال في أول مايو من نفس العام. وهي حركة بدأت مطلبية معيشية سرعان ما تحولت إلى حركة سياسية ذات سقف عال يطالب بتنحي الرئيس ماكرون من منصبه وإعادة هيكلة النظام السياسي الفرنسي. ويكمن تهديدها للنموذج النيوليبرالي الفرنسي ونخبته السياسية المهيمنة على كافة مفاصل الدولة الفرنسية منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية، في الشعبية الواسعة التي تتمتع بها في صفوف أغلبية الشعب الفرنسي.

التسييس الإعلامي في قراءات الإعلام الفرنسي التقليدي الموالي للدولة، يقلل بطبيعة الحال من شأن خطورة هذا الحراك الشعبي النوعي على النظام السياسي ونخبته السياسية، مع أن رأس هذا النظام اضطر، بعد مكابرة لتقديم بعض التنازلات المعيشية للحركة الاحتجاجية. لكن لا أحد يعلم بأفق مراهنة الطبقة الحاكمة الفرنسية على تعب أنصارها وخبوها مع مرور الوقت. والحركة ما زالت مستمرة، ومازالت تملك الزخم وتملك التأييد الشعبي في الشارع.

بالتزامن أيضاً، كانت الولايات المتحدة تغرق فيما يشبه العتمة (الناتجة عن انقطاع كامل ومفاجئ للتيار الكهربائي). فقد بقيت أجهزة الحكومة الأمريكية ودوائرها، خارج الخدمة اعتباراً من 22 ديسمبر 2018، ولمدة 35 يوماً، هو الأطول في تاريخ الإغلاقات الحكومية الجزئية في تاريخ الولايات المتحدة، وذلك بسبب خلاف نخبتها على مبلغ «تافه» قدره 5.7 مليار دولار (قياساً إلى موازنتها العسكرية الفلكية لعام 2019 البالغة 716 مليار دولار)؛

حيث ترك هذا الإغلاق نحو 400 ألف موظف فيدرالي من دون أجر، في حين طُلب من 400 ألف آخرين مواصلة الدوام، لكن من دون أجر. علماً أن السنة المالية في الولايات المتحدة تبدأ في 1 أكتوبر من السنة التقويمية. والمثير، أنه نتيجة لتلاعب النخبة الثرية الأمريكية الحاكمة بأوراق اللعبة «الديمقراطية المخصخصة»، فإن الإغلاق الجزئي لأجهزة الحكومة الفيدرالية الأمريكية لأكثر من شهر، كلّف إجمالي الناتج الداخلي للبلاد 11 مليار دولار، بينها 3 مليارات لن يتم تعويضها، وذلك بحسب بيان لمكتب الميزانية في الكونجرس الأمريكي، صادر الاثنين 28 يناير 2019.

الأزمات الثلاث للدول الثلاث المذكورة لها دلالات هيكلية عميقة.

 

“الخليج”