aren

تكريس استقلالية سياسة روسيا فى الساحة الدولية \\ كتابة : د.سمير أمين
السبت - 3 - مارس - 2018

 

فى مواجهة مشروع عسكرة العولمة وبسط السيطرة الأمريكية العسكرية على الكوكب، ليس هناك بديل لتكريس مبادئ احترام السيادة الوطنية فى المجالات الدولية.

وبعد هذا العرض لما يبدو لى مكونات البديل بالنسبة إلى روسيا علينا أن ننظر فيما إذا كان يتواجد فى الكيان المجتمعى الروسى قوى تدرك مغزى التحدى وتدفع خياراتها السياسية فى سبيل انجاز الأهداف المحددة.

كانت الحكومة التى رأسها بريماكوف لمدة قصيرة خلال التسعينيات قد شرعت فى سبيل الإصلاح. ولكن الأوليجاركية استطاعت أن تتخلص من بريماكوف. ثم بعد مضى سنوات ظهرت مرة أخرى إشارات تدل على أن بعض أقسام من الطبقة السياسية الحاكمة (ولا بد من التمييز بين هذه الطبقة المسئولة عن إدارة السياسة وبين الطبقة الحاكمة فى المجال الاقتصادي، بالرغم من التحالف الذى يربطهما مع بعض) أصبحت تدرك مدى الكارثة. ويبدو أن بوتين ينتمى إلى هذه المجموعة. فتوجهت قيادة بوتين توجهاً جديداً فى ثلاثة مجالات هي:

أولاً: السياسة الخارجية. فقد أخذ بوتين درساً من موافقته السابقة على تدخل الإمبريالية فى ليبيا (بامتناعه عن استخدام حق الفيتو ضد هذا التدخل فى مجلس الأمن). والتالى معروف وواضح. وأدرك أن الإمبريالية لم تزل تمثل الخطر الرئيسى على صعيد عالمي. فلم يكرر الخطأ عندما انفجرت أزمة سوريا. هكذا عادت روسيا تحتل مكانة دولة عظمى فى الساحة الدولية.

ثانياً: فى مجال إعادة بناء تحالف مع الجمهوريات السوفيتية سابقاً، قاوم بوتين مشروعات الإمبريالية فى الاستيلاء على هذه الجمهوريات، لا سيما فى جورجيا وأوكرانيا.

ثالثاً: فى مجال إعادة هيكلة المنظومة الاقتصادية الروسية. شن بوتين معارك ضد بعض عناصر الأوليجاركية – وليس ضد الأوليجاركية بجمعها بصفتها طبقة حاكمة اقتصادياً.

والأسئلة التى تطرح نفسها الآن هي: هل ينوى بوتين فعلاً قلب ميزان القوة وإعادة بناء نوع من رأسمالية دولة مستقلة؟ هل لديه استراتيجية لتحقيق هذا الهدف؟ ما هى القوى الاجتماعية داخل روسيا التى يمكن أن يعتمد عليها فى مشروعه؟ من هم الأعداء الحقيقيون والحلفاء المحتملون فى الساحة الدولية؟

أقول بهذا الصدد إن نجاح مشروع إعادة بناء رأسمالية دولة مستقلة يفترض كسب مساندة «الشعب» بالمعنى الواسع للكلمة. الأمر الذى يتطلب بدوره إجراء إصلاحات تتيح المشاركة للأغلبية الكبرى من الطبقات الشعبية فى فوائد التنمية الاقتصادية، فلن يقتنع الشعب بمساندة «مشروع وطنى بحت» يتجاهل مشاكله تجاهلاً شاملاً. وتأتى بعد ذلك إشكالية التحالفات الخارجية التى يمكن من خلالها دفع مشروع التنمية الوطنية المستقلة.

سادت – ولا تزال تسود – أوهام خطيرة بهذا الصدد. فيعلق البعض آمالاً على الاتحاد الأوروبي. وما زال العديد مقتنعين بجدية كلام أوروبا عن نفسها: أن المشروع الأوروبى يسعى إلى نشر الرفاهية والديمقراطية وضمان السلام، فيتجاهلون الواقع: اصطفاف أوروبا وراء مشروع بسط الولايات المتحدة سيطرتها العسكرية على الكوكب. ولقد قامت خيارات أوروبا الشرقية على أساس هذه التخيلات.

ثانياً: إن روسيا غنية بالثروات الطبيعية التى تحتاج أوروبا إليها ــ لا سيما البترول والغاز- وتمثل أرضية للتفاهم فى صالح الطرفين. لقد تناسى هذا الخطاب البسيط لدرجة السذاجة أن «أوروبا» تشكيلة اجتماعية تقودها طبقات اجتماعية حاكمة.

تمثل مصالح رأسمال الاحتكارات الإمبريالية. وفيما يتعلق بالبترول والغاز بالتحديد فقد طورت أوروبا فى الحقيقة استراتيجيات تسعى إلى الاستغناء عن استيرادها من روسيا. ومنها مشروعات تحويل أنابيب آسيا الوسطى والقوقاز دون مرورها عبر روسيا.

فطالما لم يتحقق جمع هذه الشروط ستظل تحركات بوتين معارضة ولكن هشة. ويدرك الغرب ضعف مبادرات بوتين فلا يقلق منها. ويقول بهذا الصدد «الخبراء» الأوروبيون فى شئون روسيا إن تحركات بوتين لن تضع مصالح أوروبا فى خطر.

فيظل اقتصاد روسيا فى حالة خراب وتنميته مهددة. وتميل الطبقة السائدة- الأوليجاركية- إلى الاعتراف بالأمر الواقع- أى اختلال ميزان القوى فى صالح أوروبا وفى غير صالحها- فتحترم ما يقتضيه حتى تضمن استمرار سيطرتها على الحكم وإثرائها. خلاصة القول إن روسيا لن تخرج عن آفاق الدولة الكومبرادورية التابعة.

الكرة الآن فى يدى بوتين: هل هو قادر أن يدرك ذلك؟ هل هو عازم على أن يتخلص من تحكم الأوليجاركية فى شئون روسيا؟ هل هو مستعد أن يدفع ثمن انقلاب الميزان لصالحه من خلال سياسة اقتصادية واجتماعية تنقض السياسة التى استمر يسير فى سبيلها إلى الآن؟

تمثل دول «الجنوب» ولا سيما الدول الصاعدة التى تسعى هى الأخرى إلى إقامة نظم رأسمالية دولة مستقلة، بديلاً بعد تبخر الأوهام حول أوروبا. وسوف يقوى تكريس تحالفها فى السياسة الدولية وفى مواجهة عسكرة العولمة موقف روسيا فى الساحة.

وتتواجد أيضاً مجالات للتعاون الاقتصادى يمكن استغلال فرصه. وهناك إشارات تدل على صعود الوعى بهذه الإمكانيات ظهرت فى سياسة روسيا والصين بالأخص فلا بد من تعميق الفكر والعمل فى سبيل إنجاز وعودها اللامعة.

“الاهرام”