aren

تقول للأتراك ضَحّوا اقتصادياً وأنتَ تضع عشرات الألوف في المعتقلات \\ كتابة: جهاد الزين
الثلاثاء - 14 - أغسطس - 2018

 

اردوغان

لا شك أن أي مراقب من هذه المنطقة، وسأكون صريحا أكثر، أي مُسْلِم بصورة خاصة، يتألّم وهو يشاهد مع الانفجار المتجدِّد للأزمة المالية التركية الأخيرة، ربما انهيارَ “النمْرِ” الاقتصادي الوحيد في دول العالم المسلم التاريخي. لا أتمنى ذلك وقد أمضيتُ ربع قرن، مع عديدين، نراهن على النموذج التركي كمشروع المصالحة الوحيد الممكن النجاح أو المتاح بين الإسلام والحداثة قياساً بكل الدول المسلمة، لا أستثني أي دولة، ربما فقط ماليزيا وإندونيسيا المنتميتين، رغم كونهما بلدَيْ أكثرية مسلمة، إلى منظومة جنوب شرق آسيا وحوضها الحضاري الصين وليس العامل المسلم هو الحاسم هناك.

إذاً لا بأس من وضع المشاعر الشخصية في حالة كهذه في المقال السياسي:

أتمنّى مثل كثيرين أن يتمكّن الاقتصاد التركي من مقاومة الانهيار المالي وتبعاته، لا سيما أن في تركيا طبقة وسطى واسعة جدا نمت في العقود الأربعة الأخيرة قبل نظام الرئيس رجب طيِّب أردوغان وخلاله، بل قبل ذلك بكثير بفعل مسار تحديثي طويل قامت به أجيال مختلفة في تركيا المعاصرة وكان للمرحلة الأولى من عهد “حزب العدالة والتنمية” دور في دفع التقدم الاقتصادي نحو الأمام أيضاً.

مع الأسف تأتي الآن الأزمة المالية الاقتصادية الجديدة وتركيا بكاملها وبوضوح من دون ديموقراطية سياسية. لقد قضى السيد أردوغان على الجزء السياسي من التحديث التركي. أجهز على القدر الذي كان صاعدا من الديموقراطية التي أوصلت حزبه الديني المحافظ إلى السلطة في نظام علماني. وصل إلى السلطة وبترحيب من مثقفين علمانيين ويساريين ليبراليين سيعود بعد ذلك، ولا سيما منذ العام 2013، ليضعهم في السجون أو يدفعهم لمغادرة تركيا.

اليوم وبعد الأزمة المفتوحة التي انهار فيها في يوم واحد حتى الآن عشرون بالماية من سعر العملة عدا الانهيارات السابقة هذا العام، يطالب الرئيس رجب طيِّب أردوغان الأتراك بالتضحية من حيث الإقبال على شراء الليرة ببيع مقتنياتهم من الذهب والعملات الصعبة، معتبرا ذلك “حربا وطنية” وهو تعبير ذو أهمية في تاريخ تركيا الحديثة لأنه كان الإسم الذي أطْلِق على الحرب التي خاضها الأتراك بعد الحرب العالمية الأولى بقيادة مصطفى كمال الملقب أتاتورك والتي بفضلها وُلِدت الجمهورية التركية بحدودها الحالية المعمّدة بالدم. (783356 كيلومتراً مربّعاً).

لكن يا فخامة الرئيس أشك مع الأسف أن الأتراك سيلبون دعوتك كما تعتقد لأنك، وهذه مشكلة الديكتاتورية، لا تستطيع أن تطالب بالتضامن الوطني فيما أنتَ أمعنتَ تنكيلا بنخبة على الأقل النصف الثاني من المجتمع، وبعض مسجونيك كما الألوف من القضاة والضباط والشرطة هم أحفاد مباشرون لأولئك الذين قاتلوا في العشرينات من القرن العشرين، وكان قتالهم يتركّز ضد الغزو اليوناني للأناضول الذي انطلق بعد احتلال الحلفاء لاسطنبول، وليسوا هم الذين تورطوا في الحرب الاستئصالية الفظيعة ضد الأرمن لأن ذلك كان قرار الحكومة العثمانية الخاطئ في النظام القديم (بمعزل عن الأخطاء السياسية للأحزاب الأرمنية).

لا تستطيع الديكتاتورية أن تجنّد فجأةً في الحروب “الوطنية” بعد أن يكون جزء كبير من الشعب ونخبه العسكرية والاقتصادية والثقافية والقضائية والشبابية قد استُهلكت عافيتُه في القمع السياسي الداخلي. نعرف ذلك جيدا في العالم العربي من تجاربنا غير البعيدة.

أقول ذلك مع وعيي الدائم أنه لا مستقبل لمصالحة الإسلام مع الحداثة من دون تركيا. وفشل هذا النموذج بشقيه التحديثيّيْن السياسي والاقتصادي يعني فشل كل مشروع المصالحة لأنه لا بلد آخر كان يحمل في المشهد المعاصر للعالم المسلم هذه القابلية.

هناك عناصر ضعف بنيوية في الاقتصاد التركي كما أي اقتصاد، لكن سياساتك التي أغلقت منافذ عديدة في السنوات الأخيرة كان يتنفّس منها الاقتصاد التركي كالتجارة مع عدد من دول المحيط ولا سيما العراق وسوريا ومصر والسياسات الابتزازية التي استخدمتها مع الاتحاد الأوروبي والضربات التي نالت من الدينامية السياحية لتركيا وابتعاد الاستثمارات الطويلة الأمد من السوق التركي نتيجة انغلاق الوضع السياسي الداخلي وهروب رساميل ضخمة وكفاءات كثيرة بعد قيام نظام الشخص- الحزب الواحد.

ما يعرفه البعض أنك كنت تعتقد أن النموذج الصيني الذي يقوم على لاديموقراطية سياسية وحيوية اقتصادية يصلح لتركيا أيضا. الذي يبدو الآن مع الأزمة الراهنة أن الأمر غير ممكن بالشكل الذي تصوّرته.

كثيرون يتمنّون للشعب التركي ونخبه صاحبة المحاولات التحديثية الطويلة تجاوز انعكاسات هذه الأزمة على نمط حيواتهم وإنتاجيّاتهم وأن تتمكّن تركيا من الحد من الخسائر الفادحة…لكن المهم أيضا أن تنتج الأزمة وعيا سياسياً بضرورة إعادة تركيب المصالحة الوطنية التركية المختلّة والتي لا تسمح في حالتها المرضوضة بل المكسورة الراهنة بتوحيد الجهود الداخلية لمواجهة الموقف.

“النهار”