aren

تفضلي يا ست \\ كتابة : تمارا الرفاعي
الخميس - 9 - أغسطس - 2018

 

139766_2012_05_26_08_29_40

هناك شارع ضيق في السوق القديم في دمشق كنت أراه من أجمل زوايا المدينة وأكثرها حيوية على الإطلاق. هي حارة ضيقة تبدأ بعد بوابة معبد جوبيتر ذي الأعمدة العتيقة في آخر سوق الحميدية الشهير، فتأخذ الزائر إلى مكان هو أشبه بمغارة علي بابا، أو الأقرب إلى ما يتخيله أحدنا حين يفكر بالمدن التجارية كدمشق وحلب وإسطنبول كما كانت منذ قرون مضت.

الحارة تعج بالزوار وبالبضائع المتنوعة، لكن الحرير والأقمشة المختلفة تطغى على الأشياء الأخرى. اسم الحارة أصلا «سوق الحرير»، حيث تلمع الأنسجة تحت يدي السيدات بينما تنشغل الأفواه بالمفاصلة في سعر متر أو عشرة من الحرير الهندي. أينما أنظر يتدلى أمامي ثوب مزركش، أينما أجول ببصري أرى تطريزا بخيوط فضية أو ذهبية أمسح بيدي عليها لأتأكد من نعومة وحرفية ملمسها.

يطلق أهل دمشق على سوق الحرير اسم «سوق تفضلى يا ست»، ولا أذكر أن أشار إليه أحد قط بغير ذلك. كنت أضحك حين تقول سيدات عائلتى إنهن ذاهبات إلى سوق «تفضلى يا ست»، وأتخيل أفواها تخرج من أثواب الحرير الصفراء والحمراء لتدعو السيدات للدخول إلى المحلات. يقال إن تلك الحارة قد أصبحت سوقا للأقمشة والحرير في العهد العثماني، وهي قريبة من حمام كانت ترتاده السيدات هو حمام «القيشاني» الشهير. يقف الباعة المخضرمون عند أبواب محلاتهم المتلاصقة على امتداد المكان الضيق ويتفننون بدعواتهم للزائرات بالدخول. لا يحثونهن على الشراء إنما يصرون على أن يرى الزبائن الحرير بألوانه بصبغاتها الطبيعية وأن يمتعوا أعينهم بتطريز قماش «الصاية» السوري الشهير.

أتخيل يوما ربيعيا تنطلق فيه جدتى مع والدتها إلى سوق الحميدية، فتمشيان من أوله عند مدخل قلعة دمشق إلى آخره عند العامود اليونانى فتدخلان سوق الحرير حيث يستقبلهم نداء البائعين بقولهم «تفضلي يا ست»، تمضي جدتي وقتا مع أمها تختاران أقمشة سوف تفصلان منها جهاز جدتي إذ كانت على وشك الزواج من جدي. من هنا قطعة مزركشة سوف تلبسها جدتى بعد الخطوبة، ومن هناك قماشة سوف تتحول إلى فستان تستقبل فيه العروس من سيزورها ليبارك لها بالزواج. تمضى الساعات والاثنتان تدخلان وتخرجان من المحلات المتراصة على طرفي الحارة الضيقة المسقوفة قبل أن تنهيا رحلتهما فى الحمام للاغتسال من تعب اليوم.

أتذكر سوق تفضلي يا ست، كما أتذكر أسواقا كثيرة في دمشق وحلب، لأنني، ورغم سفري الدائم في بلاد كثيرة، لم أحظ قط باستقبال كذلك الذي يخص تجار دمشق به الزائرين. في دمشق القديمة، حيث تختلط رائحة الصابون البلدي بروائح البهارات وخصوصا القرفة، يتفنن البائعون بإظهار ترحيبهم بالزبون. فذلك الذى يسحب كرسيا من أسفل «فرشة» المكسرات، والآخر الذي يظهر فنجانا من القهوة السادة من خلف هرم اللوز والجوز، وآخر يحلف ألا يخرج الزائر دون أن يأخذ معه بعض الفستق الحلبي بعد أن يقشره البائع أمامه ويضعه في طبق صغير من النحاس.

الكلمات معسولة واللهفة دافئة وفي العيون كثير من الكلام سوف يقال حين تبدأ مفاوضات تخفيض الأسعار. ربما هو البعد، ربما هو الشوق، ربما يدفعني حنيني إلى أيام عشتها وأخرى سمعت عنها من جدتي، لكني فعلا لا أجد في سفري الدائم سوقا كسوق دمشق.

وجدت بعضا منه في المغرب وبعضا في طرابلس في لبنان، كما وجدت بعضا من نفسي في البازار في الهند، حيث رائحة التوابل وألوان الحرير، لكني لم أجد تلك العيون الزرقاء المختفية وسط خطوط حفرتها الحياة على وجوه تجار دمشق، ولم أجد من يحلف يمين الطلاق إن لم أشرب الشاي بينما يضع لي البضاعة التي انتقيتها في أكياس ورقية بنية، ويهديني معها «حبة مسك»، وهو مصطلح يستخدم في دمشق ليعني هدية صغيرة من البائع إلى المشتري.

أين هي حبة المسك في محل الشوكولا الفاخر في المدينة الأوروبية العريقة التي أزورها مع عائلتي؟ أين يمين الطلاق عند البائع الأشقر الذي لا يكلف نفسه عناء سؤالي عن أمي أو عن خالي. أين هي عشرات الأمتار من القماش المفرود على طول المحل حتى يتسنى لي أن أرى بوضوح لمعته؟ هنا أمسك بضعة سنتيمترات من القماش في كتالوج وعلي أن أقرر إن كنت سوف أشتري بعضا منه حتى يطلبه لي البائع ليصلني بعد أسابيع. يا لبرودة السوق في مفهومه الحديث، يا لثقل دم شخص يساعدني على الشراء دون أن أمس أي جزء من روحه، لا أعرف والده كم قبله في الدكان ولا أسأل عن زوجته وما إن كانت قد وضعت الطفل أم لم تضعه بعد.

التغيير يطحن المكان والذاكرة كالمدحلة التي تحول طريقا من التراب لطالما سلكه أهل الحي إلى طريق معبد. التغيير يملس التضاريس فتبدو الأسواق كلها سيان، لا فرق بين مكانها على الخريطة، لا طعم لها ولا رائحة قرون من السفر والمزايدة والفرح بما هو جديد. في العوالم الكثيرة التي أجوبها أبحث طوال الوقت عمن يحملني إلى هناك، حيث الخيرات مفرودة على طاولات أمام محلات أصحابها يقولون لي ولغيري «تفضلي يا ست».

“الشروق” المصرية