aren

تفجير المصالحة الفلسطينية \\ كتابة : حلمي موسى
الخميس - 22 - مارس - 2018

بببببببببببببببببببببب

لم تكن الأوضاع الفلسطينية في أفضل حالاتها عندما انفجرت عبوة في موكب رئيس الحكومة رامي الحمد الله أثناء زيارته لقطاع غزة لافتتاح منشأة لتطهير مياه الصرف الصحي. فالمصالحة الوطنية بين حركتي فتح وحماس وسلطتيهما في القطاع كانت تترنح حتى بعد الجهود المصرية الأخيرة، ظاهرياً جراء عدم الاتفاق على تمكين حكومة الحمد الله من السيطرة.

والحالة الفلسطينية باتت في أسوأ حالاتها جراء انشغال الأمة العربية بمشاكلها الداخلية واندفاع الإدارة الأمريكية لفرض حل يحقق الغايات «الإسرائيلية» ويخلد الظلم الواقع على الشعب الفلسطيني.

ما زاد الطين بلة أن حسن النوايا وفيض الحكمة لم يكونا متوفرين لانتظار نتائج التحقيق ومعرفة المنفذين وأهدافهم ومنع تحقيق غايتهم التي رأى الكثيرون أنها تتلخص في تفخيخ المصالحة وتخليد الانقسام. وانطلقت الاتهامات ونظريات المؤامرة والإدانات وصولاً إلى تدخل «إسرائيلي» فظ مملوء بالإيحاءات باتهام أفيغدور ليبرمان للرئيس الفلسطيني باستغلال التفجير لحث «إسرائيل» على مهاجمة «حماس».

في كل حال كان رئيس الحكومة الفلسطينية رامي الحمد الله ورئيس المخابرات العامة ماجد فرج قد وصلا على رأس وفد كبير للقطاع، بتنسيق مع سلطة «حماس» الأمنية في غزة، لافتتاح منشأة تطهير مياه صرف صحي أقيمت بتمويل دولي على الحدود مع فلسطين المحتلة شرقي بيت حانون.

وفور دخول موكبهما أراضي القطاع من معبر بيت حانون متجهين إلى المنشأة انفجرت عبوة أو عبوات ما أدى إلى إصابة عدد من المرافقين وتضرر عدد من سيارات الموكب. ومع ذلك واصل الوفد مسيره نحو المنشأة وتم افتتاحها، وعاد رئيس الحكومة ووفده إلى رام الله تاركين الباب مفتوحا أمام موجة اتهامات وإدانات انصبت على «حماس».

وبعد أن كانت الاتهامات في البداية موجهة مباشرة إلى «حماس» باعتبارها الفاعل، جرى تعديل الوجهة وصارت هي المسؤولة بحكم سيطرتها الأمنية على القطاع وعدم تمكينها حكومة الوفاق من ممارسة كامل صلاحياتها. وبدا للجميع أن كل الجهود التي بذلت في الأشهر الأخيرة لتفكيك عقد المصالحة ومحاولة وضع الفلسطينيين في الأراضي المحتلة أمام واقع جديد يفتح أفقاً للأمل قد ضاعت هباء. وغادر الوفد الأمني المصري الذي كان موجودا في القطاع لهذه الغاية بعد أن طالب سلطة «حماس» باستعجال نشر نتائج التحقيق لمنع المزيد من التدهور.

وفور وقوع الانفجار أنهى الرئيس الفلسطيني محمود عباس زيارة كان يقوم بها للأردن وعاد إلى رام الله لعقد اجتماع للهيئات القيادية قيل إنها سوف تتخذ قرارات حاسمة ضد «حماس». وأوحى المصريون ل«حماس» بأن الإسراع في عرض نتائج التحقيق قد يمنع صدور مزيد من الإجراءات العقابية بحق إدارة «حماس» للقطاع.

والواقع أن الانفجار أذهل الكثيرين من المتابعين للشأن الفلسطيني ولأداء «حماس» في قطاع غزة. فمن ناحية أظهر الانفجار وجود ثغرات كبيرة في السيطرة الأمنية لسلطة «حماس» في قطاع غزة والتي جرى التنسيق معها بشأن سير الموكب. وسهل الانفجار لعدد من قادة السلطة في رام الله اتهام «حماس» إما بالمسؤولية عن التفجير أو بالعجز عن منعه وفي الحالتين الخاسرة هي «حماس». وبعد إدانات قادة «حماس» السياسيين والأمنيين للتفجير وإعلان أنه جريمة وطنية توجه البعض لاتهام جهات في «حماس» بتنفيذ العملية لتضررها من المصالحة.

وقد ردت جهات من «حماس» على مواقع التواصل الاجتماعي باتهامات مضادة لفتح والسلطة موحية بأن التفجير مصطنع ومقصود وله غايات مختلفة بينها إظهار عجز «حماس» الأمني وسوء نيتها السياسية. وقالت هذه الجهات إن التفجير مدبر من جهات تابعة للسلطة نفسها لتحقيق أهداف تعزز الانقسام باسم محاربة «حماس».

وانطوى كلام عضو المكتب السياسي لحركة «حماس» موسى أبو مرزوق على إشارات لا تنبئ بأن التفجير سيمر من دون مضاعفات سياسية. فقد أعلن أن التحقيقات في تفجير موكب الحمد الله «وصلت إلى نتائج ملموسة حول المتسببين ومن يقف وراء هذا الحادث». وأوضح أن هذا الحادث جاء في «ظروف غريبة جداً»، وتساءل: «ما علاقة رئيس جهاز المخابرات والمسؤول الأمني الأول بالسلطة في الذهاب لافتتاح محطة لتنقية المياه العادمة، مع العلم أن المستفيد الأول من المحطة هو الاحتلال «الإسرائيلي»، حيث كانت هناك مشاريع أولى ألف مرة لتقوم السلطة عليها؟».

وأشار إلى أن «الحادث جاء في وقت اجتماع معظم الدول ذات العلاقة بالموضوع الفلسطيني باستثناء السلطة في واشنطن وهو جاء في ظروف استثنائية»، ملمحاً إلى أن الحادث جاء بمجرد انتهاء زيارة الرئيس عباس للأردن وإذ به يقطع زيارته ويعود لرام الله.

غير أن جهات فلسطينية أخرى حاولت البحث في غايات التفجير من الناحية الظرفية، متهمة «إسرائيل» وجهات أخرى باستهداف القطاع ومحاولة عزله عن الضفة الغربية. وتحدثت هذه الجهات أساساً عن المستفيد من التفجير والخدمات التي يؤديها له. ورأت أن حصر الاتهامات في الداخل الفلسطيني سواء كانت ضد «حماس» أو ضد السلطة في رام الله أو حتى ضد أنصار النائب محمد دحلان يشكل إبعاداً للتهمة عن المنفذ الحقيقي في نظرهم وهو «إسرائيل».

ويرى الأخيرون أن «إسرائيل» التي تنسق بشكل واسع مع الإدارة الأمريكية بشأن القطاع بعيداً عن السلطة و«حماس»، على حد سواء، كما جرى في لقاء واشنطن الأخير، معنية باستمرار العزلة بين الضفة والقطاع. وتفكيك العلاقة بين جناحي السلطة الفلسطينية يقوض أسس وجودها ويشجع على إلغاء الإقرار الدولي بحتمية حل الدولتين والاندفاع نحو حلول أخرى. وضمن هذا السياق تأتي محاولة إنهاء وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين والتي هي أحد عناوين الاعتراف الدولي بحق العودة للاجئين.

عموماً أعلن مدير عام قوى الأمن في سلطة «حماس» في غزة، اللواء توفيق أبو نعيم، أن أجهزته الأمنية أمسكت بطرف خيط قوي في قضية تفجير موكب الحمد الله. وشاعت أنباء عن اعتقال اثنين، على الأقل، يشتبه بضلوعهما في التفجير وعن مداهمات واعتقالات متعددة. وراجت في البداية تقديرات بأنه قد تقف خلف التفجير جماعات إسلامية متشددة تريد إظهار عجز السلطتين في غزة ورام الله على حد سواء.

ولكن مرور أيام على التفجير من دون إعلان نتائج يوحي بأن الأمور أعقد مما تبدو. وقد ازداد تعقيد الأمور بعد أن أعلنت سلطات أمن «حماس» في غزة عن إغلاق المقر الرئيسي لشركة «الوطنية» للاتصالات الهاتفية. وتردد أن السبب في ذلك يعود إلى عدم تعاون الشركة مع أجهزة الأمن في غزة في تحقيقاتها بشأن التفجير.

وأياً يكن الحال فإن التعقيد الجديد في الوضع الفلسطيني يأتي في ظل التصعيد «الإسرائيلي» سواء تجاه الضفة أو القطاع وفي ظل مناورات «إسرائيلية» – أمريكية استعداداً لحرب مقبلة.

“الخليج”