aren

تفتيت أوروبا \\ كتابة : عمرو حمزاوي
السبت - 8 - ديسمبر - 2018

euro_1_0

في بداية الألفية الجديدة ووفقا للعديد من استطلاعات الرأي آنذاك، كانت شعوب الاتحاد الأوروبي ترى في اندماجها الاقتصادي والمالي والاجتماعي والسياسي الوسيلة الفضلى للحفاظ على الأمن والرخاء في القارة العجوز.

مزايا العملة الموحدة، دور البنك الأوروبي الموحد، تحديات التوسع المطرد في عضوية الاتحاد، النقاشات حول الدستور الأوروبي وتطوير الفعل السياسي والعسكري للاتحاد وصعوده المرتقب بوصفه قوة عظمى تنافس الولايات المتحدة الأمريكية والصين.

كانت تلك هي القضايا المطروحة على الأوروبيين في السنوات الممتدة بين ٢٠٠٠ و٢٠٠٨ وبشأنها تمايزت مواقف الحكومات بين تأييد تسريع الاندماج القاري على جميع المستويات وبين المطالبة بمواصلة الاندماج الاقتصادي والمالي وتأجيل تطلعات الحكومة الأوروبية الموحدة والجيش الأوروبي المشترك.

بالقطع، حضرت أقليات شككت في الاتحاد الأوروبي وتواجدت أحزاب وحركات سياسية قومية ورفض مقترح الدستور الأوروبي في استفتاءات شعبية. إلا أن أغلبيات مستقرة بين شعوب القارة وأحزاب يمين ويسار الوسط التي تناوبت على الحكم فى بلدانها بدت متمسكة بالاتحاد وغير مستعدة للتراجع عن وعدي الأمن والرخاء اللذين ضمنهما منذ خمسينيات القرن العشرين (كسوق مشتركة ثم كاتحاد).

أما اليوم، وفي خواتيم العقد الثاني من الألفية الجديدة، فيبدو أمر الأوروبيين وكأن أحوالهم انقلبت رأسا على عقب. صارت الأغلبيات تتململ من تواصل الاندماج القاري، وصوت الناخبون البريطانيون لصالح التخارج من الاتحاد (بالكاد وبعد تزييف ممنهج لوعى الناخبين نعم، ولكن الأغلبية أيدت مغادرة الاتحاد الأوروبي)، ويستمر في عموم أوروبا صعود أحزاب اليمين المتطرف والحركات القومية التي ترى في الاتحاد ومسئوليه وبيروقراطيته الجالسة في بروكسل (العاصمة البلجيكية) قوى معادية تفرض عليهم اختيارات اقتصادية ومالية واجتماعية غير مقبولة، ولم تعد حرية حركة المواطنين وإسقاط الحدود الفاصلة بين بلدان الاتحاد وحرية تنقل العمالة بين اليونان وبريطانيا مسلمات لا تمسها الحكومات الأوروبية. فما الذي حدث؟

بين ٢٠٠٨ و٢٠١٨، تعاقبت على الأوروبيين صنوف من الأزمات أسفرت عن انهيار ثقة الأغلبيات في وعدي الاتحاد الأساسيين، الأمن والرخاء. وتواكبت الأزمات هذه، وأتناولها في الفقرات التالية، مع اكتفاء أحزاب يمين ويسار الوسط الحاكمة بمجرد التشديد على غياب البدائل للاندماج القاري وعجزها عن تطوير خطاباتها الانتخابية وسياساتها العامة بشأن أوروبا على نحو يجدد الثقة الشعبية في مزايا الاندماج.

في المقابل، استطاعت أحزاب اليمين المتطرف والحركات القومية أن تتغلغل في الفراغ الناشئ بين انهيار ثقة الأغلبيات وتجاهل الحكومات لكي تصنع من التشكيك في الاتحاد الأوروبى واقعا سياسيا ضاغطا لم يتوقعه أحد. لم ينتظر أكثر الأوروبيين تشاؤما خروج بريطانيا من الاتحاد مثلما لم يتحسبوا لا لشيوع العداء الشعبي لقرارات بيروقراطية بروكسل الاقتصادية والمالية والاجتماعية والسياسية ولا لبلوغ اليمين المتطرف والقوميين لمقاعد الحكم في روما ووارسو وبودابست وبراغ.

مثلت تداعيات الأزمة المالية العالمية ٢٠٠٨ الاختبار الأول الذى فشل الاتحاد الأوروبي في التعامل معه، فقد انهارت الأسواق العقارية والبنكية في العديد من البلدان ودخلت اقتصاديات اليونان وأيرلندا وإسبانيا وإيطاليا في دائرة خطيرة من انكماش الناتج القومي وارتفاع معدلات الفقر والبطالة وعجز الموازنات العامة.

وعلى الرغم من التدخل السريع للبنك الأوروبي لمساعدة الاقتصاديات المأزومة (أيضا لضمان استقرار العملة الموحدة) ومن تفعيل آليات التضامن داخل الاتحاد على النحو الذى وفر مساعدات مالية كبيرة للحكومات اليونانية والأيرلندية والإسبانية والإيطالية، إلا أن تداعيات أزمة ٢٠٠٨ استمرت لسنوات عديدة وبلغت فى ٢٠١٠ منعطفا جديدا بخطر إفلاس اليونان وما تلاه من انقسام داخل القارة بين شمال مستقر اقتصاديا وجنوب يعاني، وبين شعوب في الشمال ترى أنها تنفق من مواردها وعوائد عملها هي على شعوب مسرفة وكسولة وشعوب في الجنوب تعتقد أن اقتصادياتها صارت مجرد أسواق لبيع وشراء منتجات الشمال، وبين حكومات في الشمال تعلن شكليا التزامها بآليات التضامن الأوروبي وتهدد الجنوب بعقوبات اقتصادية ومالية حال عدم الالتزام بشروط الحد من الديون الحكومية وحكومات في الجنوب تخدع شعوبها بشأن شروط أغنياء الشمال وآثارها المحتملة.

والمحصلة كانت ومازالت فقدان ثقة شعوب الشمال والجنوب في قدرة الاتحاد الأوروبي على التعامل المتوازن والفعال مع الأزمات الاقتصادية والمالية والإبقاء على وعد الرخاء والتضامن القارى قائما دون إذلال للجنوب أو تمرد مخادع على الشمال.

ثم جاء صعود أحزاب اليمين المتطرف والحركات القومية، بل والمجموعات العنصرية فى العديد من بلدان الاتحاد الأوروبى ليشكل أزمة سياسية واجتماعية حادة.

من جهة أولى، لم تنكر تلك القوى الصاعدة عداءها للتوجهات الليبرالية للاتحاد فيما خص إلغاء الحدود الفاصلة بين بلدانه وسياسات الهجرة واللجوء ولم تتردد حين بلغت مقاعد الحكم فى الانقلاب عليها. في المجر وبولندا وجمهورية التشيك وسلوفاكيا وإيطاليا حكومات بعضها يغلق الحدود وبعضها يرفض استقبال المهاجرين واللاجئين وبعضها الثالث يريد توزيع القادمين الجدد من المهاجرين واللاجئين على بلدان أوروبية أخرى.

وتتواكب مثل هذه التوجهات غير الليبرالية مع انتشار خطابات الكراهية وارتفاع صوت المجموعات العنصرية المعادية لوجود الأجانب في عموم أوروبا وتواتر الجرائم العنصرية، وكذلك مع زيادة غير مسبوقة في أعداد المهاجرين واللاجئين الذين يطرقون أبواب القارة.

من جهة ثانية، تبدو الأغلبيات الأوروبية قلقة من مستقبل اندماج المواطنين ذوي الأصول الأجنبية والمقيمين الأجانب (خاصة أصحاب الأصول العربية والإسلامية) في مجتمعاتها، وتتشكك في أن حكوماتها أو البيروقراطية الأوروبية في بروكسل تستطيع السيطرة على ظواهر سلبية كالتطرف الديني ورفض بعض ذوي الأصول الأجنبية لقيم التسامح والمساواة بين النساء والرجال وحقوق الإنسان دون تمييز وتورط نفر أصغر منهم في جرائم إرهابية.

هنا أيضا، ولأن الاتحاد الأوروبي أضحى ينقسم بين بلدان تتمسك حكوماتها بالتوجهات الليبرالية في قضايا الحدود والهجرة واللجوء وبلدان أخرى تدير شئونها حكومات انتخبت ديمقراطيا لتغلق الحدود وترفض قدوم المهاجرين واللاجئين، تفقد شعوب القارة ثقتها في الاتحاد وتستسلم تدريجيا لعجزه عن صياغة سياسات جديدة تضمن الحد الأدنى من الحدود المفتوحة وتحمى أوروبا من التداعيات الخطيرة لموجات الهجرة واللجوء الضخمة والتي كانت موجة ٢٠١٥ موجتها الأخيرة.

بريطانيا تتخارج، الحكومة الإيطالية الجديدة (حكومة اليمين الشعبوى والمتطرف) تصارع بيروقراطية بروكسل بشأن الدين الحكومي وتتهم حكومات بلدان الشمال الغنية (خاصة ألمانيا) بالتدخل غير المقبول في شئونها، حكومة فيكتور أوربان في المجر تتمسك بإغلاق حدودها وتهدد بإعادة ما فعلته فى ٢٠١٥ حين ألقت بالمهاجرين واللاجئين على حدود النمسا، الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يغرق في الأزمات الاقتصادية والاجتماعية الداخلية بينما ينتج خطابا سياسيا غير واضح المعالم حول تسريع وتائر الاندماج الأوروبي، حكومة أنجيلا ميركل في برلين تواصل التمسك بشروط الدعم الاقتصادي والمالي داخل الاتحاد وأهمها خفض مستويات الدين الحكومى وترفض الانفتاح على اقتراحات الإيطاليين وجنوبيين آخرين بينما تقبل تدريجيا التوجهات غير الليبرالية بشأن الهجرة واللجوء.

أحزاب يمينية متطرفة وحركات قومية ومجموعات عنصرية تتسع مساحات فعلها بانتظام وتصير مقبولة مجتمعيا على الرغم من خطابات الكراهية التى تنشرها والعنف الذى تتورط به، أغلبيات حائرة تعانى أزمات اقتصادية واجتماعية متصاعدة (الأحداث الفرنسية الأخيرة) ولا تعرف إن كان الاندماج القارى مازال فى ٢٠١٨ السبيل الوحيد للأمن والرخاء.

هذا هو المشهد الأوروبي اليوم، وما أبعده عن آمال الولايات المتحدة الأوروبية التي هيمنت على العقد الأول من الألفية الجديدة.

“الشروق” المصرية