aren

تزوير تاريخ القدس.. مهمة أمريكية \\ كتابة : حلمي موسى
الخميس - 14 - مارس - 2019

355

أغلقت الإدارة الأمريكية في مطلع الشهر الجاري، قنصليتها في القدس الشرقية بعد أشهر قليلة على إعلان قرار ضمها إلى سفارتها التي نقلتها من «تل أبيب» إلى القدس. ويعد هذا القرار عملاً عدائياً ضد الفلسطينيين من جانب إدارة الرئيس دونالد ترامب، ودليلاً على تغيير سياسة تقليدية انتهجتها الإدارات الأمريكية المتعاقبة في الشأن الفلسطيني والتي رأت في القدس الشرقية أرضاً محتلة.

أكملت الإدارة الأمريكية الحالية بقرارها هذا، عملية إخضاعها للعلاقات مع الفلسطينيين لسفارتها في الكيان بعد أن كانت القنصلية المقامة منذ 175 عاماً عنوان علاقاتها المنفصلة مع الفلسطينيين.

وأنزلت مستوى القنصل الأمريكي في القدس إلى مستوى مسؤول دائرة فلسطين في السفارة تحت إمرة ليس السفير وإنما نائبه.

ولا يمكن قراءة هذا التطور بعيداً عن تردي العلاقات بين السلطة الفلسطينية والإدارة الأمريكية الحالية والتي بدأت ولم تنته بقرار نقل السفارة من «تل أبيب» إلى القدس والاعتراف بالقدس عاصمة للاحتلال. وكان سبق ذلك تعيين محامي الرئيس الأمريكي ديفيد فريدمان، المعروف بتأييده الصريح للمستوطنين ولليمين الصهيوني، سفيراً لأمريكا في «تل أبيب» وإعلانه سعيه لأن يكون أول سفير في مقر السفارة الجديد في القدس. وقد أتبعت ذلك بإغلاق ممثلية منظمة التحرير الفلسطينية الدبلوماسية في واشنطن، ووقف المعونة الأمريكية الكبيرة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، ثم وقف كل أشكال الدعم المالي للمؤسسات الفلسطينية في الأراضي المحتلة والقدس الشرقية.

وبعد وأثناء ذلك كان السجال الصاخب بين السلطة الفلسطينية ومبعوثي إدارة ترامب، حول ما يعرف ب«صفقة القرن» التي تعلن نكوص إدارة ترامب عن التسوية وفق مبادئ الشرعية الدولية وحل الدولتين.

غير أن القرار الأمريكي بشأن إغلاق القنصلية في القدس الشرقية ليس مجرد قرار إداري بقدر ما هو قرار سياسي بامتياز. فإغلاق القنصلية، بما كانت تعنيه من استقلال إداري عن السفارة في «تل أبيب»، في نظر مراقبين موضوعيين يعني تنصل الإدارة الأمريكية من الاعتراف الضمني بكيان فلسطيني منفصل في القدس الشرقية كامتداد للكيان الفلسطيني في الضفة والقطاع.

وحسب معلقين «إسرائيليين»، فإن الاعتراف الأمريكي بالقدس عاصمة للاحتلال من جهة وإغلاق القنصلية التي كانت عنوان التعامل مع الفلسطينيين في «عاصمة» دولتهم المستقلة مستقبلاً، عمل يطفح بالرمزية والواقعية. ووفق أحدهم فإنه «من الآن فصاعداً ترفض الإدارة الأمريكية أن ترى في الفلسطينيين كياناً سياسياً ذا وجود في القدس».

وحاولت الإدارة الأمريكية طوال الوقت الادعاء بأن إجراءاتها المختلفة ضد الفلسطينيين لا تتضمن أي تغيير جوهري في سياستها تجاه التسوية. وهكذا أعلن نائب الناطق بلسان الخارجية الأمريكية، روبرت بالدينو، عن أن قرار إغلاق القنصلية جاء لزيادة النجاعة في العمل، وأن هناك استمرارية في تقديم الخدمات ذاتها التي كانت تؤديها القنصلية.

وبالرغم من تعابير تهدئة الخواطر التي تطلق هنا وهناك، فإن في الإدارة الأمريكية من يقول علناً إن الخطوات ضد الفلسطينيين هي أداة إدارة ترامب لتطويع موقفهم وإجبارهم على الجلوس إلى طاولة المفاوضات مع الكيان بشروط أمريكية. وليس صدفة أن إدارة ترامب تكيف موقفها مع مصالح حكومة نتنياهو، خصوصاً بعد أن أعلنت أن «صفقة القرن»، والتي رفضها الفلسطينيون، ستعلن بعد الانتخابات «الإسرائيلية» في إبريل المقبل.

وواضح أن كلام بالدينو، والمسؤولين الأمريكيين الآخرين، وبينهم السفير الأمريكي، ديفيد فريدمان، بشأن «ترفيع» العلاقة مع الفلسطينيين عبره، لم تهدئ مخاوف الفلسطينيين، بل زادتها تأجيجاً.

وهكذا أعلن رئيس دائرة المفاوضات في منظمة التحرير، صائب عريقات، أن إغلاق القنصلية كان «المسمار الأخير في نعش» الدور الأمريكي في العملية السلمية في الشرق الأوسط.

واتهم إدارة ترامب، بالعمل ضد «حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره». كما أن فلسطينيين آخرين شددوا على أن ترامب عملياً قرر أن القدس بأسرها باتت بأيدي «إسرائيل» وأن لا فاصل بعد اليوم بين شرقيها وغربيها. وأنه ينكر بذلك على الفلسطينيين الحق في أن تكون القدس الشرقية عاصمة لدولتهم المستقبلية.

كما أن عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، حنان عشراوي، اعتبرت القرار «استمراراً للحملة الأمريكية على الشعب الفلسطيني وعلى القيادة الفلسطينية والتي تتضمن إنكاراً للقرارات الدولية، انطلاقاً من دوافع عنصرية وتغييراً للتاريخ والواقع السياسي».

وأضافت أن «القنصلية الأمريكية، تأسست العام 1884، وقدمت خدماتها للفلسطينيين وإغلاقها إنكار للتاريخ الفلسطيني».

ومن الجلي أن إدارة ترامب، بخطواتها المتواصلة ضد الفلسطينيين تظهر ليس فقط استخفافها بموقفهم، وإنما أيضاً استعدادها للإمعان في إذلالهم. فجملة قراراتها بخصوص القدس والأونروا تستند إلى فكرة بسيطة واحدة وهي أن لأمريكا الحق في إجبار الفلسطينيين على التخلي عن حقوقهم الوطنية والقبول بإملاءاتها التي تخدم الاحتلال. وفي الجانب الشخصي حاولت إدارة ترامب القفز عن رفض الفلسطينيين لانحياز السفير الأمريكي الداعم للاستيطان، ديفيد فريدمان، بإجبارهم على التعامل مع هذه الإدارة عبره شخصياً.. وهذا هو أحد معاني إغلاق القنصلية ودمجها بالسفارة.

ولا شك في أن إدارة ترامب، التي تنسق خطواتها بالتمام مع حكومة نتنياهو، صارت تتبنى النهج «الإسرائيلي» نفسه القائل بأن ما لا يتحقق بالقوة يمكن أن يتحقق بمزيد من القوة. ولا تؤمن إدارة ترامب بأن بقدرة الفلسطينيين إفشال مساعيها لتمرير «صفقة القرن»، ولذلك فإنها تواصل تشديد الضغط السياسي والمالي على السلطة الفلسطينية لإجبارها على الخضوع للإملاءات. وحتى الآن لا يبدو أن السلطة الفلسطينية مستعدة للانتحار بقبول الإملاءات الأمريكية من دون أن تظهر في الأفق معالم تغيير دولي كبير. فأزمة السلطة الفلسطينية المالية تتعمق، وكذلك أزمتها السياسية، بالرغم من التأييد الرسمي العربي لها، وهذا ما يدفع إدارة ترامب والحكومة الصهيونية، على الأقل في الأشهر القريبة، إلى مواصلة الضغط لتحقيق الانكسار الفلسطيني.

وتحذر جهات فلسطينية نافذة من أن الانكسار ليس خياراً مطروحاً، وأن الفلسطينيين في الضفة والقطاع، مستعدون لقلب الطاولة. وعدا عن احتمالات التصعيد والتسخين الميداني المتزايدة، فإن كثيرين يتحدثون عن إمكانية التوجه نحو حل السلطة الفلسطينية وإعادة المواجهة الشعبية ضد الاحتلال والاستيطان إلى الواجهة من جديد.

ويكثر فلسطينيون في الآونة الأخيرة من التهديد بأنه إذا كانت إدارة ترامب تتخلى عن حل الدولتين، فإن الخيار الوحيد المتبقي هو حل الدولة الواحدة الذي ينهي عملياً ما كان يعرف ب«المشروع الوطني الفلسطيني» والمشروع الصهيوني على حد سواء.

في كل حال من الجلي أن الخطوات الأمريكية، أظهرت مقدار العجز العربي والفلسطيني عن توفير الضواغط اللازمة لاستمرار زخم «الشرعية الدولية». وهنا يظهر الضعف العربي والفلسطيني على أكثر من صعيد.

“الخليج”