aren

تركيا وانقلاب 1960.. مفارقات \\ كتابة : د.محمد نورالدين
السبت - 6 - يونيو - 2020

كان مندريس، مثله مثل أوزال، ومثل أردوغان، أمريكياً بشكل كامل، ومنفّذاً أميناً لإملاءات واشنطن

شهدت تركيا خلال الأسبوع المنصرم «زحمة» مناسبات كبيرة. الأولى ذكرى «فتح القسطنطينية» في 29 مايو/ أيار 1453، والثانية ذكرى انتفاضة «غيزي» التي بدأت كردة فعل على مشروع الحكومة قطع أشجار حديقة غيزي وسط إسطنبول، لإقامة جامع، وثكنة عسكرية مكانها، بدءاً من 27 مايو/ أيار 2013 واشتدت في الأيام اللاحقة كحركة احتجاجية واسعة على سياسات حزب العدالة والتنمية.

والمناسبة الثالثة هي الانقلاب العسكري الأول الذي حصل في 27 مايو/ أيار 1960، الذي أطاح برئيس الحكومة وزعيم الحزب الديمقراطي عدنان مندريس الذي حكم من 1950 إلى 1960.

وإذا كان احتفال رئيس الجمهورية، رجب طيب إردوغان، بذكرى فتح إسطنبول طبيعياً في سياق توظيف المشاعر الإسلامية ضد الغرب «الكافر»، فإن احتفاله بذكرى الانقلاب، وإعدام مندريس، ورفاقه، يكتسب حميمية أكبر لدى أردوغان، لكون مندريس يمثل لأردوغان قدوة في العمل السياسي، ومناسبة أهمّ لتوظيفها في إطار الصراع مع المؤسسة العسكرية، ورفض الانقلابات العسكرية.

ومع تفاوت الأداء، فإن مؤيدي حزب العدالة والتنمية يضعون في سياق واحد تقريباً، ثلاث مراحل من تاريخ تركيا الحديث، وهي حقبات عدنان مندريس، زعيم «الحزب الديمقراطي» في الخمسينات، وطورغوت أوزال زعيم «حزب الوطن الأم» في الثمانينات، ورجب طيب أردوغان زعيم «حزب العدالة والتنمية» منذ عام 2002 وحتى اليوم. والخيط الذي يربط بين هؤلاء هو ما يعتبر نزعة انفتاح إسلامية على الصعيد الداخلي لكل منهم.

لكن التمحيص التاريخي يظهر أن الظروف الموضوعية التي أحاطت بالحياة السياسية في مرحلة كل منهم مختلفة، ومتباينة، عن الآخر. لكن النهاية المفجعة لمندريس مشنوقاً في 17 سبتمبر/ أيلول، 1961، والنهاية الغامضة لأوزال موتاً بسكتة قلبية، وقيل إنه مات مسموماً في إبريل/ نيسان 1993، هي التي توظف في الصراع السياسي لإظهار مظلومية كل منهما، وبالتالي مظلومية لرجب طيب أردغوان الذي أدخل إلى السجن عام 1999 أربعة أشهر، بذريعة إلقاء أبيات من الشعر تثير الفتنة.

كذلك فإن التذكير بانقلاب 27 مايو/ أيار 1960 ونهاية مندريس، تهدف لإبقاء الجهوزية الشعبية في مواجهة أي محاولة للجيش للقيام بانقلابات عسكرية ضد حزب العدالة والتنمية. وهو ما نجح فيه أردوغان في التصدي لمحاولة الانقلاب العسكري في 15 يوليو/ تموز 2016.

وتبرز جلية محاولة الاستغلال الرخيصة لإعدام مندريس في أن أردوغان اصطحب معه في ذكرى 27 مايو شريكه في الانتخابات والدولة (ليس في الحكومة)، دولت باهتشلي، زعيم حزب الحركة القومية لزيارة جزيرة «ياسّي أضه»، حيث حوكم رئيس الحكومة عدنان مندريس، ورئيس الجمهورية جلال بايار، وفريقهما السياسي. وقد جلس أردوغان في قاعة المحكمة التي حوكم فيها مندريس، مستذكراً، ومتأمّلاً، ومعتبراً.

والمفارقة أن مؤسس حزب الحركة القومية، وزعيمها التاريخي، ألب أرسلان توركيش، كان الناطق باسم الانقلاب العسكري على مندريس، وهو الذي أذاع البيان رقم واحد من الإذاعة. ومع ذلك، لا يجد أردوغان حرجاً في التحالف مع من كان شريكاً في الإطاحة بمندريس، قبل أن يؤسس لاحقاً أكثر من حزب، آخرها حزب الحركة القومية. فدولت باهتشلي، كما رجب طيب أردوغان، بلعا لسانيهما خلال الزيارة، ولم يشيرا إلى دور توركيش (المرشد الروحي والحزبي لباهتشلي)، في الانقلاب على مندريس، وكل ذلك لضمان استمرار شراكتهما في الحياة السياسية: أردوغان ليبقى رئيساً للجمهورية بأصوات حزب الحركة القومية، وباهتشلي ليبقى ممثلاً في البرلمان بأصوات حزب العدالة والتنمية.

والمفارقة الثانية، هي في تغيير اسم الجزيرة من «ياسي أضه» إلى جزيرة الحرية والديمقراطية، في عام 2013. ذلك أن عهد مندريس كان عهد قمع الحريات، وخنق حرية التعبير، والزج بالكتّاب والصحفيين في السجن، وإغلاق الصحف، والمجلات، خصوصاً في الأعوام الأخيرة من عهده. بل عمل قبل أيام من الانقلاب عليه على محاولة حظر حزب الشعب الجمهوري، حزب أتاتورك، وحزب المعارضة الرئيسي، لكمّ أفواه المعارضة السياسية. فكانت هذه من الأسباب الرئيسية للانقلاب عليه.

أما على صعيد السياسة الخارجية، فكان مندريس، مثله مثل أوزال، ومثل أردوغان، أمريكياً بشكل كامل، ومنفّذاً أميناً لإملاءات واشنطن. وكان مندريس حليفاً لأمريكا ضد الشيوعية، وفي عهده انضمت تركيا لحلف شمال الأطلسي، وشارك في الحرب الكورية من دون العودة إلى البرلمان، وكان رأس حربة مع نوري السعيد العراقي في حلف بغداد، ضد جمال عبدالناصر، ومن ثم في «حلف السينتو»، وفي عهده ازدهرت العلاقات التركية «الإسرائيلية» وفي عهده كانت أول زيارة، ولو سرية، يقوم بها رئيس وزراء «إسرائيلي»، هو دافيد بن جوريون، إلى أنقرة، حيث التقى عدنان مندريس.

منطق الانقلابات العسكرية مرفوض، لكن منطق خنق الحريات، ووأد الديمقراطية مرفوض أكثر.

“الخليج”