aren

تركيا والغرب والاستثمار الديني \\ كتابة : د.محمد نور الدين
السبت - 23 - مارس - 2019

 

ما بين مجزرة المسجدين في نيوزيلندا التي ذهب ضحيتها أكثر من خمسين شخصاً مسلماً على يد سفاح عنصري متطرف «مسيحي» اسمه برنتون تارانت، ومقتل ثلاثة أشخاص في قطار في مدينة أوتريخت في هولندا على يد متطرف «مسلم» تركي اسمه غوكمين تانيش، على الرغم من الفارق في محصلة الضحايا، هناك قاسم مشترك واحد هو: تركيا.

القاتل الإرهابي النيوزيلندي كشف أنه يريد اقتلاع المسلمين والأتراك من أوروبا واستعادة عاصمة البيزنطيين القسطنطينية أي إسطنبول، وإعادتها للمسيحيين. أما القاتل الإرهابي التركي فقد أكد كراهية للآخر. لكن من يتابع الصحف التركية، والإعلام التركي عموماً؛ يُدرك مدى الهذيان، الذي يعتري الخطاب التركي الإسلامي تجاه غير المسلمين. غالبية الصحف والكتّاب الذين يؤيدون «حزب العدالة والتنمية» وصفوا، بعد هجوم المسجدين، النظرة الغربية إلى المسلمين وتركيا على أنها «صليبية»، وأن الغرب بدأ حملة صليبية على المسلمين. والمفارقة أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لم يشذ عن هذه القاعدة؛ بل كان في طليعة المروجين للحملة على الغرب، الذي برأيه يستهدف تركيا، ويستهدفه شخصياً.

ويرى إعلام «حزب العدالة والتنمية»، أن تركيا التي ذكرها القاتل النيوزيلندي بالاسم مستهدفة ليس الآن فقط؛ بل منذ ألف عام والغرب يعمل على الانتقام من «معركة ملازكرد» في عام 1071 للميلاد التي هزم فيها السلاجقة، البيزنطيين وفتحوا أبواب الأناضول أمام العرق التركي. كما يريدون الانتقام من فتح القسطنطينية عام 1453، وتمدد العثمانيين في أوروبا. ولقد أشار القاتل تارانت نفسه إلى محطات من تاريخ العداء بين الأوروبيين والأتراك.

لكن ما يلفت أن مجزرة نيوزيلندا جاءت كما يقال «شحمة على فطيرة» أردوغان؛ عندما استغل مثل هذا الخطاب ليطلق خطابات مفتوحة على مدار الساعة، ومكرراً عرض مشاهد مجزرة المسجدين، بكل قساوتها وبشاعتها، أمام الجمهور، مستدرجاً عطف المتدينين من الأتراك المسلمين والمترددين في خيارهم الانتخابي؛ ليقترعوا لمصلحة «حزب العدالة والتنمية» في الانتخابات البلدية بعد أسبوعين من الآن.

وكما حصل في كل الانتخابات السابقة البلدية والنيابية كان العزف على وتر النزعة الدينية أو المذهبية أو العرقية التركية أحد أهم عناوين الحملات الانتخابات ل«حزب العدالة والتنمية». ولم يغب عن بال أحد المرشحين لرئاسة إحدى البلديات التابع ل«حزب العدالة والتنمية» أن خسارته للانتخابات تعني ضياع مدينة القدس إلى الأبد. ولم يغب عن بال «وفق بلال ابن أردوغان» اعتبار التعرض للشعائر المقدسة؛ مثل الأذان، إيذاناً ببدء تصفية الحساب مع العواصم المسيحية.

أما شريك أردوغان في الحملة الانتخابية رئيس حزب الحركة القومية دولت باهتشلي فقد رفع سقف التحدي بالقول: «أين أنتم أيها الصليبيون..إننا هنا. تعالوا لكي نغرقكم في دمكم». هذا الغرب الذي يوجه أردوغان وباهتشلي سهامهما إليه ليس بريئاً؛ بل هو بدعمه واحتضانه ل«إسرائيل» وباحتلالها لمناطق عربية ومسلمة ونهب ثرواتها وقتل شبابها، هو أصل البلاء والإرهاب.

لكن المشكلة أن التيار الديني والعرقي المؤيد لأردوغان في تركيا لا يرى سوى بعين واحدة. والقضية التي حاول أردوغان استثمارها انقلبت عليه بعد أيام قليلة من مجزرة نيوزيلندا؛ عندما حصلت حادثة قتل المسيحيين الثلاثة في هولندا على يد مسلم تركي. فلم نسمع منه تلك الإدانة الحادة التي أطلقها بحق مجزرة المسجدين؛ بل أكثر من ذلك فإن الصحف التركية الموالية ل«حزب العدالة والتنمية» في اليوم التالي(الثلاثاء الماضي) لحادثة هولندا، إما أنها أفردت أسطراً قليلة للحادثة أو غيّبتها بالكامل كأنها لم تحدث.

النظر بعين واحدة للتطرف والعنصرية لم يعد ينطلي على أحد. فالإرهاب واحد سواء كان مرتكبه مسلماً أو مسيحياً، من أستراليا أو تركيا؛ لكن ليس صدفة أن غالبية المتطرفين في العالم هم إما من المسلمين أو المسيحيين الذين مروا في تركيا أو أمضوا فترات فيها ومن هؤلاء القاتل الأسترالي وغيره الكثير من مرتكبي الهجمات الإرهابية في أوروبا في السنوات القليلة الماضية باسم الإسلام.

لا يعني هذا تحميل أنقرة مسؤولية أعمالهم الإجرامية؛ ولكن تركيا في وضع لا يمكن لها التنصل بالكامل من مسؤولية كبيرة تقع عليها سواء بالتشدد في مراقبة المعابر والأشخاص كما في التوقف عن أن تكون مقصداً لعدد كبير من المتطرفين في العالم، ومن ثم الانتقال إلى سوريا والعراق ومن بعدها إلى أوروبا وصولاً إلى نيوزيلندا.

أسوأ ما يمكن هو الاستثمار باسم الدين، وهو الذي نشهده اليوم من جانب «حزب العدالة والتنمية» عشية الانتخابات البلدية.

“الخليج”