aren

تركيا والديمقراطية المزعومة \\ كتابة : د.محمد نورالدين
السبت - 13 - يونيو - 2020

بأكثرية أصوات الحزب الحاكم وشريكه حزب الحركة القومية بات إسقاط عضوية النواب أمراً سهلاً وسيفاً مسلولًا على رؤوس نواب المعارضة.

لا تتوقف عمليات توقيف وسجن النواب والصحفيين في تركيا. فبعد أربعة أعوام من محاولة الانقلاب العسكري في 15 يوليو/ تموز 2016 لا يزال من يتهمون بانتمائهم إلى جماعة الداعية الديني المقيم في الولايات المتحدة، فتح الله جولين، يتعرضون للاعتقال. والاستهداف يطال كل المؤسسات العسكرية، والأمنية، والتعليمية، ولا سيما القطاع الصحفي. ورغم العدد الهائل من الاعتقالات حتى الآن فإن الصحافة تطالعنا كل يوم بأخبار عن اعتقال هذا، وذاك.

وفجر الاثنين الماضي، كانت الشرطة تداهم منزلي الصحفيين إسماعيل دوكيل، ممثل tele1 في أنقرة، وميسّر يلدز مديرة oda tv في أنقرة. والتهمة هي التواصل مع أحد عناصر الجيش لجمع معلومات عسكرية، أي إن التهمة هي«التجسس ضد الجيش»، والتعاطف مع حزب العمال الكردستاني.

وقبل ذلك، في مارس/ آذار الماضي، كان المدير العام ل oda tv باريش بهلوان، ومدير الأخبار فيه باريش تيرك أوغلو، والمراسلة هوليا كيلينتش، يعتقلون من جانب الشرطة بتهمة إفشاء أسرار عسكرية عندما نشروا خبراً عن مقتل عناصر من الاستخبارات التركية في ليبيا، وإظهار صور من مراسم دفنهم في تركيا، الأمر الذي كشف قتلى أتراك كانت أنقرة تحاول التغطية عليهم حتى لا يثار الرأي العام.

قبل ذلك بأيام (4 يونيو/ حزيران) كان البرلمان التركي يسقط من عضويته ثلاثة نواب: أنيس بربر أوغلو من حزب الشعب الجمهوري، وليلى جوفين وموسى فارس أوجوللري من حزب الشعوب الديمقراطي الكردي، ثم اعتقالهم ووضعهم في السجن، (أطلق سراح جوفين بعد ذلك بخمسة أيام). والسبب هو أن بربر أوغلو كان كذب قبل أن يصبح نائبا ًبشأن أنه هو وراء تسريب خبر وصور لصحيفة «جمهورييات» عام 2015 عن إرسال الاستخبارات التركية السلاح إلى سوريا، فيما كان مصدر المعلومات، وفقاً للقضاء التركي، هو عناصر تابعة لجولين داخل الجيش. أما جوفين وفارس أوجوللري فإن التهمة الدائمة هي عضوية تنظيم إرهابي مسلح، أي حزب العمال الكردستاني. وهي تهمة جاهزة تنتظر من يقع عليه غضب سلطة حزب العدالة والتنمية.

محرم اينجه المرشح السابق للرئاسة في مواجهة رجب طيب أردوغان، وصف قرار إسقاط العضوية النيابية بأنها إفلاس للإرادة الشعبية. أما رئيسا حزب الشعوب الديمقراطي مدحت سنجار وبرفين بولدان، فوصفا القرار بأنه انقلاب على البرلمان. وبأكثرية أصوات الحزب الحاكم وشريكه حزب الحركة القومية، بات إسقاط عضوية النواب أمراً سهلاً وسيفاً مسلولاً على رؤوس نواب المعارضة. ما دفع برئيس تحرير صحيفة «جازيتيه دوار»، علي طوبوز، للدعوة إلى إغلاق البرلمان لأنه لم يعد ذا جدوى في ظل تحكّم أقلية، لم ينتخبها الشعب تحيط برئيس الجمهورية، في مقدرات البلاد.

ووصفت صحيفة «يني أوزجور بوليتيكا»، التابعة لحزب العمال الكردستاني، السلطة الفاشية لحزبي العدالة والتنمية، والحركة القومية، بأنها لا تشبع من محاولة سحق الشعب الكردي. واليوم، تلجأ هذه السلطة الظالمة إلى انتهاج سياسة «قطاع الطرق والعصابات» بإسقاط العضوية النيابية لنواب معارضين. واتهمت الصحيفة السلطة بأنها تتبع منذ 15 يوليو/ تموز 2016 سياسة ممنهجة لمحو المعارضة، (خصوصاً الكردية)، من إقالة رؤساء بلديات (95 بلدية حتى الآن وتعيين موظفين تابعين للسلطة مكانهم واعتقال 15 منهم)، واعتقال صحفيين، وصولاً إلى إسقاط العضوية النيابية عن البعض، وإلقائهم في السجن متجاهلين الإرادة الشعبية التي انتخبتهم. والمفارقة المؤسفة أن قانون رفع الحصانة عن النواب قد أقر قبل محاولة الانقلاب عام 2016 ولم يعترض عليه حزب الشعب الجمهوري، فكانت النتيجة اعتقال 12 نائباً كردياً لا يزالون في السجن، منهم رئيسا الحزب الكردي حينها صلاح الدين ديميرطاش، وفيجين يوكسيك داغ.

وبعد إفراغ البلديات، ولا سيما البلديات الكردية من رؤسائها المنتخبين، يهدد أردوغان اليوم بإسقاط العضوية النيابية عن عدد كبير من النواب من بينهم 19 نائباً كردياً.

والملاحظ في اعتقال النواب الثلاثة، أن السلطة تحاول أن تلصق بحزب الشعب الجمهوري صورة الشريك لحزب الشعوب الديمقراطي الكردي في العمل مع الإرهاب، وضد الحكومة، وهذا يأتي في إطار شيطنة حزب الشعب الجمهوري لإضعافه في الشارع.

والسؤال الذي يطرح: في أي سياق تأتي هذه الضغوط على المعارضة؟ وعلى الرغم من أنه باق إلى موعد الانتخابات النيابية ثلاث سنوات، فإن إجراء انتخابات مبكرة ليس مستبعداً، بحيث ما إن تكتمل الضغوط، ومنها ربما حظر الحزب الكردي، ستكون الانتخابات المبكرة خياراً لحزب العدالة والتنمية، ومفاجأة خصومه الذين لا يزالون يمارسون سياسة رد الفعل، لا الفعل بذاته.

“الخليج” الاماراتية