aren

تركيا تتراجع عليما ! \\ كتابة : د.محمد نور الدين
السبت - 14 - ديسمبر - 2019

منذ بدء ما سمي في العالم العربي بعصر النهضة، أي منذ منتصف القرن التاسع عشر، ونحن لا نزال نعيش عصر ما قبل النهضة.

دائماً كان السؤال الأزلي يتكرر لدى منظري النهضة: لماذا يتقدم الغرب ونتراجع نحن؟ ولماذا يتخلف العالم الإسلامي ولا يستطيع اللحاق بركب الحضارة الحديثة؟ ولماذا أعلى رفاعة الطهطاوي الصوت قائلاً: لقد رأيت في الغرب إسلاماً ولم أر مسلمين؟

وبعد مرور أقل من قرنين، لم نعد نطرح هذا السؤال. نحن أصبحنا نعيش التخلف عميقاً في هاوية مثقوبة القاع.

عندما نتطلع إلى خريطة التوترات والحروب في العالم، في العشرين أو الثلاثين سنة الأخيرة، نجدها كلها تقع ضمن الجغرافيا الإسلامية في أفغانستان والعراق وسوريا واليمن والسودان وليبيا ولبنان. ونجد ما يصنف تنظيمات إرهابية تتجول على امتداد هذه الساحات، وتتنقل بأريحية كاملة وبتنظيم كامل من بلد إلى آخر مستعدة لتنفيذ خطط التفتيت والقتل والتدمير.

ومؤخراً تكاثرت الحراكات والثورات والانتفاضات، ورفعت شعاراً واحداً وهو محاربة الفساد ومحاسبة الفاسدين. في الجزائر حكم بالسجن لسنوات على مسؤولين رئيسيين كانوا في السلطة في العقود الماضية وفرض المحتجون المستمرون في تحركهم منذ أشهر منع التمديد لرئيس عاجز مثل حال أمته.

يفتقد المواطن في العالم الإسلامي، حتى لا نقول العربي فقط، لأبسط مقومات تلمس سبل التقدم. والمسألة ليست في امتلاك المقومات فقط، بل في إدارة الثروات، ومكامن القدرة، وفي ترجمة النزعة الوطنية إلى استقلالية في اتخاذ القرار والتعبير عن الإرادة الخالصة.

وعلى الرغم من الأجواء التشاؤمية من إمكانية فتح كوة تُخرج الأمة من سباتها، يجب الإقرار أن أمتنا تزخر بمواهب وكفاءات وقدرات كبيرة جداً. لكن المشكلة في كيفية توظيف هذه القدرات.

وكمثال على ذلك، يكفي أن نشير إلى أولئك الباحثين العرب والمسلمين الذين يهجرون بلادهم مغمورين، ولا يلبث أن يبزغ نجمهم ويسطع في أوروبا والولايات المتحدة وكندا ويتبوأون أعلى المواقع العلمية، وتسجل باسمهم الاختراعات وينالون الجوائز. ومن بعد ذلك نطفق في بلادنا بالتطبيل والتزمير كونهم من أصول عربية أو مسلمة، وهيهات لهم أن يبرعوا لو بقوا في بلادهم، وبالكاد يحصلون على وظيفة وضيعة بعد أن يتوسلوا الزعيم.

وفي محاولة لتقديم نموذج على ما نقوله نشير إلى ما نشرته وسائل الإعلام التركية عن مستوى التعليم العالي في تركيا، وكيف يوضع الرجل غير المناسب في المكان المناسب، لتبقى جامعاتنا في العالمين العربي والإسلامي خارج التصنيفات المهمة للجامعات المبرزة والمتفوقة في العالم، رغم أن عددنا نحن المسلمين أكثر من مليار ونصف المليار، من بينهم 350 مليون عربي.

فقد نشرت صحيفة «قرار» التركية، وغيرها من الصحف التركية، أن مستوى التعليم العالي في الجامعات التركية يتراجع كثيراً ووصل إلى مرحلة خطيرة ما لم تبادر الحكومة إلى إجراء إصلاحات جذرية في نظام التعليم وفي نظام احترام الكفاءات.

في إحصاءات ميدانية، من أصل 206 جامعات رسمية وخاصة في تركيا، هناك رؤساء ل 71 جامعة لم يكتبوا أو يقدموا أي مداخلة على الصعيد الدولي، وهناك 68 رئيساً لم ينشروا بحثاً علمياً واحداً في مجلات دولية.

ويقول البروفيسور إنغين قره داغ عضو الهيئة التعليمية في «جامعة آق دينيز» إنه عام 2011 كان هناك جامعتان تركيتان ضمن الجامعات الأول في العالم. عام 2015 ارتفع العدد إلى خمس جامعات، لكن في العام 2019 كان العدد.. صفراً! حتى رتبة بروفيسور (أستاذ) في الجامعات العربية والمسلمة باتت «موضة» تعطي كيفما تيسر، لذا نجد هذا التهاون في شروط تعيين رؤساء الجامعات.

وما يزيد الطين بلة، أن شروط تعيين رؤساء للجامعات في تركيا قد عدّل وحذف منه شرط أن يكون المرشح لرئاسة الجامعة قد مضت عليه ثلاث سنوات برتبة بروفيسور. وفي تقرير للبرنامج الدولي لتقييم الطلاب (SIPA) التابع لمنظمة التنمية والتعاون الاقتصادي (OECD) أن نسبة عالية من الطلاب الأتراك بعمر 15 عاماً يفتقدون المهارات في مجالات الرياضيات والعلوم واللغة التركية. وليس أبلغ من تشخيص الحالة العلمية مما كتبه الكاتب التركي المعروف طه آقيول من أن المشكلة ليست في درجة الذكاء بل هي مشكلة اجتماعية.

“الخليج” الاماراتية