aren

تدخل أنقرة في الأزمة اللبنانية \\ كتابة : د.خليل حسين
الخميس - 28 - مايو - 2020

 

هيأت تركيا الأجواء الإقليمية والدولية لتنفيذ سياسات خارجية مختلفة عن تطلعات شعوب المنطقة وحتى أنظمتها السياسية. فتركيا رجب طيب أردوغان اختارت العثمانية بأسوأ صورها التي تبدأ بالتدخل في ملفات بعض الدول مروراً بتغذية الخلافات وصولاً إلى تفجير المجتمعات والأنظمة، وثمة نماذج واضحة وكثيرة في هذا المجال بدءاً من ملف الأزمة السورية وما تفرع عنها من ملفات متصلة وصولاً إلى الأزمة الليبية والامتدادات التركية نحو إفريقيا.

إلا أن الأكثر غرابة اليوم ما جرى مؤخراً من تدخل واضح وسافر في الأزمة اللبنانية وبدعم قطري أيضاً، تجلى بمحاولة شق فئة لبنانية عبر دعم وتسويق وتلميع صورة بهاء الدين الحريري لمنافسة أخيه رئيس الحكومة السابق سعد الحريري، وفي الواقع لم تكن هذه المحاولات هي جديدة، فقد سبق لأنقرة أن حاولت في هذه الوسائل وغيرها لتأجيج الخلافات اللبنانية الداخلية وتفجير الأوضاع الأمنية في ظل أزمة اقتصادية لم يشهدها لبنان سابقاً. فقد دخلت أنقرة في الملف اللبناني من بوابة أزماته الاقتصادية والمالية التي أرخت ثقلها القوي على مختلف فئات الشعب اللبناني ومنها «تيار المستقبل»، والتي تحاول تركيا استغلاله وامتصاص التوتر الشعبي لصرفه في السياسات الإقليمية التركية قدر الإمكان.

هذا التدخل التركي ليس جديداً في الواقع، فقد مهدت إليه ومنذ أربع سنوات خلت لتكوين بيئة سياسية اقتصادية مالية تفسح المجال لوضع خطط مستقبلية لسياسات تركية ليست خافية على أحد، ذلك عبر مشاريع صحية وتربوية وغيرها، بهدف استثمار واستغلال الوضع الاجتماعي اللبناني، إلا أن ما يجري حالياً يشكل علامة فارقة سيئة في تاريخ العلاقات لتركية – اللبنانية، فهي سابقاً تعاملت مع الأزمة اللبنانية كملف فرعي أو متصل في الأزمة السورية، فيما اليوم

تحاول أن تبني خططاً وبيئات تصل إلى تكوين ملف لبناني متكامل تنطلق من خلاله لإدارة أزمات مماثلة في المنطقة، سيما وأن تدخلها في الأزمة الليبية أعطاها نوعاً من التفلّت والتوسّع الإفريقي بصرف النظر عن نتائجه العملية ومدى فاعليته في السياسات الإقليمية.

صحيح أن ثمة عوامل كثيرة مؤثرة في نجاح خطط السياسات التركية في لبنان، إلا أن دونها عقبات كذلك، فالدخول عبر تلميع صورة بهاء الدين الحريري كما يبدو لم تكن موفقة بشكل كافٍ لإطلاق المشروع، فقد عارضته قوى لبنانية كثيرة من بينها أطراف سياسية على خصومة سياسية مع «تيار المستقبل» الذي يتزعمه الرئيس سعد الحريري، ذلك للعديد من الخلفيات التي لا تتوافق مع سياسات أطراف لبنانية لها ميول واضحة تجاه تيارات سياسية عربية معادية للدور التركي.

لم تترك تركيا مناسبة إلاّ وحاولت الاستفادة من تناقضات الوضع العربي وبخاصة إبان الحراكات العربية في غير بلد، إلا أن ما تقوم به حاليا يعتبر امتداداً لمشروع حاولت البدء به قبل أربع سنوات في الأزمة اللبنانية عبر محاولة التأثير في الاعتراض على سياسات الحكم في لبنان، كما حالياً عبر محاولة النفاذ إلى الحراك الذي انطلق مؤخراً في نوفمبر/ تشرين الثاني 2019، باعتباره بيئة مناسبة لتحريض فئات في الشارع مناهضة لسياسات الرئيس سعد الدين الحريري. وفي أي حال من الأحوال، إن الظروف الداخلية اللبنانية وإن تهيأت بها بعض الظروف، إلا أنها غير كافية لتمكين أنقرة من التغلغل بفاعلية والنجاح في تكوين بيئة ومدخل مناسبين لها.

تمر اليوم السياسات التركية الإقليمية بمرحلة تراجع للعديد من الأسباب التي لا يمكنها التأثير في محدداتها أو مؤثراتها أو تداعياتها أو نتائجها، فأنقرة التي عوّلت كثيراً على الساحة الإفريقية عبر البوابة الليبية مؤخراً، لم تتمكن من إنجاز ما تريد، وغرقت في الوحول الأمنية الليبية، الأمر الذي دفعها إلى إنشاء منصات وساحات بديلة للتعويض عن احتمال انهيار سياساتها في منطقة محددة، إلا أن التعويل على الساحة اللبنانية دونها عقبات كثيرة من الصعب على أنقرة أن تحتويها أو تتجاوزها كما يبدو واضحاً حتى الآن.

“الخليج”