aren

تخمين \\ بقلم :د. ناديا خوست
الأحد - 19 - يونيو - 2022

(في الصورة المرافقة طالبات الجامعة السورية في المقاومة الشعبية في أرض معرض دمشق الدولي).

نحن الآن كمن يحبس الأنفاس! كمن يطل على حدث كبير يسمعه ولا يراه! كمن يتلهف على تغيير ينقلنا من حال إلى حال! لابد أن تواكب منطقتنا إعلان الرئيس بوتين، في منتدى سان بطرسبورغ الاقتصادي، حقيقة متوهجة: أن العالم الوحيد القطب أصبح من الماضي! بل لقد سمعنا هدير ذلك المنعطف منذ بداية العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا. لأنها في الجوهر تواجه العالم الغربي، وتضع نقطة النهاية لاستفزازاته في الفضاء الروسي: تنظيم انقلاب في روسيا البيضاء، ثم في طاجيكستان.

التاريخ إذن في مساره الصحيح! ومن حظنا أن نسمع هدير خطوته الكبرى، نحن الذين عاصرنا اقتسام الاتحاد السوفييتي، ووحشية القطب الواحد في احتلال أفغانستان والعراق، وحرب الدمار الشامل على الدول “المارقة”. وضعت روسيا نقطة! انتهت مرحلة سيادة الغرب! وتحققت نبوءة سياسي إيراني سمى الزمن القادم “زمن ما بعد السيادة الغربية”!

ألذلك توهمت في الحادية عشرة من ليلة أمس أني أسمع قصفاً، وهرعت إلى النوافذ لأميز صوت الصاروخ من صوت المضادات؟ طار النوم من عيني، كأني أخشى أن أفوّت لحظة كبرى في تاريخ المنطقة! وفي سياق العادة السورية التقليدية، بدأت تحليل الصمت و”الصبر الاستراتيجي”، كمن يستشف المعطيات التي لا يملكها غير قادة الجبهات ومالكي صور الأقمار الصناعية! وفي سياق الخيال، استعرت صاروخاً ايرانياً وآخر روسياً دقيق التصويب، بعيد المدى!

يقرأ من يتابع ما يكتب في فيسبوك، جانباً من الرأي العام لا يجوز إهماله. يستطيع منه أن يلاحظ: 1 – خيبة المواطنين السوريين لأن إدارة حياتهم اليومية ومؤسساتهم الخدمية دون الانتصارات العسكرية والتضحيات العامة. 2 – أن السياسيين الذين يديرون حياة السوريين اليومية في المؤسسات المدنية موظفون ارتقوا في مناصب حزبية فعيّنتهم أحزابهم في مراكز إدارية، دون أن يتميزوا بعمل وطني كبير في تاريخهم، أو بمأثرة تحفر أسماءهم في الذاكرة. لذلك ينحنون تحت ثقل مهمات هذا الزمن ويتخبطون في تصريحاتهم. 3 – يعتب السوريون في ضائقتهم الاقتصادية على أصدقائهم، لأنهم لا ينجدونهم. وقد يبالغون فيتجاهلون أن أولئك الأصدقاء يعانون أيضاً من الحصار، وأن المذنب هو الغرب الذي لا يبالي حتى بمصالح شعوبه. 4 – يشعر السوريون بأنهم يتقدمون في الوعي على من يدير حياتهم، وبأن أكثر هؤلاء يحرس مصالحه الشخصية بدلاً من حراسة المصلحة العامة.  5 – يفتقرون، وهم في بهو انتظار مرحلة جديدة، إلى صوت شعبي هادر ومتزن، حار وعاقل، دقيق في قراءة الواقع، حساس وواسع الاطلاع، كصوت السيد الذي يضيء ويحلل ويستنتج، يلمس قلق الوجدان ويوحي بما يمكن أن يعلن. فكفاءة السيد المقداد والدكتور الجعفري تناسب مساحات ديبلوماسية، ولا تلبي الحاجات الوجدانية الشعبية.

طبعاً، لا تُرسم خطوط المعارك تحت ضوء الشمس أمام المتفرجين، بل في قاعة سرية تدرس المعلومات، وتفحص القوى التي تحملها، والقوى التي تواجهها. تتميز بالذكاء وموهبة الاستشفاف، ودقة الحساب. تفحص غرفة العمليات الواقع. لا يغشها الصخب الذي يوهم بالقوة، أكان مناورات في قبرص، أم صراخاً في الإعلام، أم جنوناً في القصف. وخاصة إذا كان الصخب يستر أزمة وجود، لذلك يقفز من طرف الخريطة إلى طرفها، قفزَ الرئيس بايدن من قارة إلى قارة. لا يغير ذلك الحقيقةَ التاريخية الساطعة: هذه النقطة تنهي مرحلة وتبدأ مرحلة!

لكن الموجع هو وضع المدني المتفرج. ألم يقل الشهيد الذي أدار مضادات الصواريخ في مصياف: “قد نموت، ولكن لن تمروا”؟ كان صلب الروح لأنه يمارس المقاومة. إذن، خلعُ وضع المدني السلبي ضرورة. فالشعب لا يسامح من يجعله متفرجاً. ويوهمه بأنه يفكر عنه ويقرر باسمه. تشل هذه الرؤية الشوارع. وتجعل سياسيي الأحزاب موظفين في المكاتب، محرومين من الهواء والشمس وملامسة الناس. يسعفنا التاريخ إذا فحصناه. فالمقاومة الشعبية في الخمسينيات من القرن الماضي جذبت الناس إلى الساحات والحدائق، وعلمتهم حمل السلاح، وحراسة الشوارع. أشعرتهم بأنهم ظَهر الجيش ومداه. وبيّنت أن القرار الوطني ليس قرار نخبة، بل قرار شعب. وبذلك أرعبت العدو وأضافها إلى حساباته.

قد يبدو تزييناً طلب افتتاح حديقة الطلائع، المهملة عمداً، في المزة، لانتزاعها من أحلام “المستثمرين”. وإعادة أرض معرض دمشق الدولي القديمة حديقة عامة، حيث تدربت مجموعات المقاومة الشعبية في القرن الماضي. قد يبدو أن ذلك لا علاقة له بالمعركة القادمة. لكن أليس كل ما يشير إلى الاهتمام بالشعب، من حشده في أيام المصائر الكبرى؟ عودة المسؤولين إلى المشي في الشوارع كالناس، تبرعهم بسياراتهم أيام الأزمات لنقل المنتظرين ساعات على مواقف الباصات، تأمين مواصلات عامة مريحة، مراقبة الأسعار.. من طرق كثيرة إلى قلوب الناس!

ولماذا لا نعلن عن مقاومة شعبية، يستثنى منها فقط من حمل السلاح في الحرب على سورية؟ كيلا نبقى ساكنين في بهو الانتظار، منصرفين إلى التخمين!

أديبة سورية