aren

تحسّسوا رؤوسَكم عندما تتساءل واشنطن: كيف نوفِّق بين مصالحنا ومبادئنا؟\\ كتابة : جهاد الزين
الخميس - 1 - نوفمبر - 2018

marlon-brando

الممثل الامريكي “مارلون براندو”

عدنا إلى الفيلم الأميركي القديم بمادة جديدة. فيلم سجالي قديم بمادة جديدة: كيف توفِّق أميركا بين مصالحها ومبادئها؟ عزيزي القارئ بمجرد أن تقرأ مسؤولا أميركيا يستخدم هذا التعبير يجب أن تعرف، مهما كانت المادة جديدة، أن الكلام هو نفسه منذ نصف قرن بل منذ 70 عاماً ولا يُطرح في واشنطن إلا عندما تكون الإدارة الأميركية في حرج من علاقة مع حليف ما.

في جيلي تربّينا على جدل “المبادئ” الأميركية مع قمع شاه إيران وقمع الجنرال سوهارتو جنرال إندونيسيا و قمع الجنرال موبوتو سيكو في الكونغو – زائير وقمع الرفيق اللاجنرال قاتل الجنرالات صدام حسين في العراق ووو… كلهم كانوا حلفاء معتَمَدين من واشنطن بمستويات مختلفة، ليس فقط في ثرائهم بل أيضا في فقر دولهم (لا فقرهم).

مثلا نشرت “الفايننشال تايمز” ، بعدما فرّ موبوتو (سيكو) من كينشاسا ، أن صندوق النقد الدولي والبنك الدولي كانا سخيّين جدا في منح الكونغو( 7 ) مليارات دولار في عهده المستمر بين 1965 وال1997 .

كنت أقرأ هذا التقرير ، وأنا أعبر في الطائرة من المغرب إلى واشنطن لأحضر ندوة لدعم “الإصلاح العربي” في لحظة تلاقٍ بين المبادئ والمصالح أملته المصالح. ربما لم أكن مخدوعا بالمصالح لكن لا شك أنه في تلك الفترة كان جيل جديد من الشباب الإنترنيتي العربي (والإيراني والتركي) يستعد للنزول إلى الساحات العامة هو الذي يستحق الاحترام والانتباه.

قبل جيلي امتلأت الأدبيات الأميركية في الخمسينات بجدل “المبادئ”  مقابل “المصالح” مع دعم واشنطن ضد الديكتاتورية السوفياتية ومجازرها لديكتاتوريات في العالم الثالث بل لمجازر في العالم الثالث. وقد أصبح من الثابت كليا أن أول انقلاب عسكري في سوريا قاده الجنرال حسني الزعيم عام 1949 وتحول إلى فاتحة لتدمير منهجي لبلد ليبرالي واعد يحمل أفكار عصر النهضة العربية في النصف الأول من القرن العشرين، هذا الانقلاب دعمته السي آي إي لسبب رئيسي بل وحيد: استحصال موافقة الحكومة السورية على مد أنابيب خط التابلاين النفطي إلى شاطئ الزهراني في لبنان عبر الأراضي السورية. من “أدبيات” تلك المرحلة فيلم “الأميركي البشع” بطولة مارلون براندو الذي يلعب فيه دور سفير أميركي في دولة في جنوب شرق آسيا. إنتاج 1963.

بلغ هذا السجال (المبادئ vs المصالح) ذروته في عهد هنري كيسينجر الممثل الأبرز للواقعية في السياسة الأميركية ونجح اليساريون والاتحاد السوفياتي الذين يحكمون بلا انتخابات فعلية في اصطياد حالة يسارية ديموقراطية منتخَبة في التشيلي مع سلفادور ألليندي لبهدلة المؤامرة الكيسينجرية الناجحة لإسقاطه بينما قبْل ذلك كان انقلاب عسكري شيوعي دموي في السودان قمعه بدموية ديكتاتور سيعيش طويلا هو جعفر النميري، سيتحول إلى انتصار طويل الأمد للسياسة الأميركية.

تحسّسوا رؤوسكم بالاتجاهين عندما تتحدث واشنطن عن المبادئ مقابل المصالح.

المصالح جعلتنا ننسى الجنرال المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية عمر البشير السوداني. فَهِمَ عليهم البشيرُ ودعَم انفصالَ جنوب السودان الذي رعاه، أي الانفصال، كل الغرب، من صهرنا جورج كلوني (في المبادئ) إلى جورج بوش (في المصالح) فعاد عمر البشير رئيسا طبيعيا في العالم لا يخشى غدر الزمان في الخرطوم.

مقارنةً بموبوتو وصدام حسين وسوهارتو ، ربما نكون “نحن” و الأميركيون ظلَمْنا رئيسا كحسني مبارك لم يكن يلغي الديموقراطية في مصر ، بل كان يفتح لها مساحات إعلامية داخل نظام أمني سلطوي.(لا أتحدّث عن الفساد). النزوع إلى الحريات حالة فضائلية جوهرياً ًلكنها قد تشوّش الفوارق بين الحكام وأنظمة الحكم.

جدل المبادئ مقابل المصالح عاد الآن الموضوع المفضل للتعليقات في الصحافة الأميركية الكبرى. مثلما حصل بشكل أوسع وأصعب بعد أحداث 11 أيلول. إذن لا تتفاءلوا كثيرا بل لا تتفاءلوا بالمطلق. خصوصا في عهد دونالد ترامب، المبدئي جدا في الدفاع عن المصالح ضد المبادئ.

الخيارات العميقة الحقيقية في السياسة الأميركية في الشرق الأوسط ليست هنا، أي ليست الحريات : إنها أيّ شرق أوسط تريد في القرن الحادي والعشرين: شرق أوسط مع إيران (أوباما) أم شرق أوسط مع السعودية (ترامب)؟ وهذا جدل أكبر من أوباما وترامب. إنه جدل المؤسسة الأمنية السياسية الصناعية التي تحكم أميركا… والعالم.

الذي لم يُتَح لأوباما أن يثبته هو أن التفاهم مع إيران هو الطريق الوحيد لتغيير نظامها الديني الأوتوقراطي، كما حصل بعد التفاهم الأميركي السوفياتي في أواخر ثمانينات القرن الماضي، بحيث يصبح التفاهم مع إيران تفاهما مع الفرس دون نظام تشدد ديني. والذي ربما لن يتاح لترامب إثباته أن تمديد التفاهم مع السعودية، ليس فقط استمرارا لمعادلة استراتيجية طبعت معظم القرن العشرين بل أيضا…؟

“النهار”