aren

تحديات تشكيل الحكومة اللبنانية \\ كتابة : د. خليل حسين
الخميس - 19 - نوفمبر - 2020

من مفارقات لبنان العجيبة الغريبة ارتباط معظم الاستحقاقات الداخلية باستحقاقات خارجية، بعضها ربما يكون مبرراً، ومن بين تلك المسائل تشكيل الحكومة اللبنانية التي مضى على استقالة رئيسها أكثر من ثلاثة أشهر، وارتبط موضوع التكليف والتأليف بانتخابات الرئاسة الأمريكية، وعلى الرغم من إنجاز الملف الأمريكي، فإنه لا توجد مؤشرات قريبة على تشكيل الحكومة؛ إذ سيمر وقت طويل أقله على ما يبدو عند تسلم الرئيس جو بايدن مهامه في العشرين من يناير/ كانون الثاني القادم، علاوة على فترة إضافية ذات صلة بتركيبة السلطة الديمقراطية الجديدة. فهل ذلك كافٍ أم هناك تحديات إضافية أخرى ينبغي تذليلها قبل ذلك؟. وهل يتحمل لبنان هذا الترف الزمني؟. في المبدأ لطالما ارتبط الحراك الحكومي بأي مستجد خارجي، لكن لبنان حالياً يقف على مفترق طرق خطِرة، ذلك بفعل إدخاله بمسارات غير معروفة النتائج، علاوة على تخبطه بأزمات ذات طابع كياني. فالشرائح اللبنانية الوازنة ما زالت متباينة الرأي حول الكثير من القضايا، وبالتالي ازدياد الانقسام العمودي الذي انعكس سلباً على مسار التشكيل.

ثمة سبب إضافي طرأ مؤخراً أسهم وسيسهم بعرقلة التأليف، وهو على صلة بالعقوبات الأمريكية التي فرضت على بعض الوزراء، ذات الصفة السياسية بعينها، والتي تستغلّ لممارسة أقصى أنواع الابتزاز السياسي التي يبدو في كثير من الأحيان أنه لا قدرة للبنانيين على تجاوزها في معرض مناكفاتهم اليومية المعتادة، في وقت يفترض تجاوز الكثير من القضايا؛ للوصول إلى اتفاقات تعيد الحد الأدنى من آمال اللبنانيين بسلطة قادرة على تمثيلهم وحماية مصالحهم التي افتقدوا معظمها في الفترة الماضية.

ومن التحديات التي تواجه تشكيل الحكومة الظروف القاسية التي يمر بها لبنان وشعبه، فثمة انهيار اقتصادي ومالي غير مسبوق، ووضع صحي خطِر لجهة تفشي وباء «كورونا» وسط غياب المعالجات الفعّالة، معطوفة على أوضاع اجتماعية سيّئة لجهة نسب البطالة، والفقر والتهميش الاجتماعي، علاوة على مظاهر سلبية ناجمة عن هذه الظروف، كالتفكك الأسري، وانتشار الجريمة، وظهور مظاهر مجاعة مقبلة، إذا ما استمرت الأوضاع في تراجع متسارع، كما هو حاصل اليوم.

كما أن تشكيل الحكومة يواجه تحديات خارجية وازنة، من بينها، مخاطر أحداث أمنية وعسكرية داهمة في المنطقة في الفترة الانتقالية الرئاسية في الولايات المتحدة، علاوة على ملفات حساسة كمفاوضات ترسيم الحدود البحرية والقضايا المتصلة بالغاز والنفط في شرق البحر المتوسط وملفي اللاجئين السوريين والفلسطينيين في لبنان، وعليه، تشكّل هذه العقبات والتحديات الداخلية والخارجية مصاعب كبيرة في وجه التشكيل السريع، بصرف النظر أيضاً عن حجم فاعلية الحكومة المفترضة في تأدية برامجها.

وعلى الرغم من الرقابة الحثيثة، وبخاصة الفرنسية، من خلال مبادرة رئيسها، لم تستطع هذه المتابعة اللصيقة إحرازَ تقدم واضح في إعادة تكوين البيئة السياسية الحكومية اللبنانية، فما زالت المواعيد يتم تجاوزها، كما يتم النكوث بالوعود، ما أدى إلى ضياع بعض الفرص التي ربما تكون واعدة في بعض أوجهها، ومن بينها العلاقات مع البيئات المالية الدولية، وفي مقدمتها صندوق النقد الدولي.

لقد اعتاد اللبنانيون على تعثر تشكيل حكوماتهم حتى بات شكلاً من أشكال التراث السياسي المعتاد، إلا أن ما تمر به الأزمة الحالية من تعقيدات غير مسبوقة لجهة تشابك القضايا والتحديات والمخاطر، يجعل من إمكانية التشكيل السريع أمراً صعباً ومبالغاً فيه، ففي الحالات العادية الأقل تعقيداً وصل الامتداد الزمني إلى تسعة شهور، فهل ستخالف الظروف تلك الفرضية ويشهد لبنان ولادة حكومية سريعة؟ أم أن ما يحكم لبنان محددات وضوابط لن يكون بمقدوره تجاوزها؟ إن تدقيقاً سريعاً يبين أن وقتاً طويلاً سيمرّ قبل وصول لبنان إلى وضع حكومي مستقر ومقبول.

“الخليج”الاماراتية