aren

تحالفات تركيا \\ كتابة : د. محمد نور الدين
السبت - 2 - يونيو - 2018

 

خرج رئيس حزب الشعب الجمهوري كمال كيليتشدار أوغلو بموقف مفاجئ إلى حد ما، وهو أنه في حال فوز حزبه في الانتخابات الرئاسية والمرشح لها نائب الحزب محرم إينجه، وفي الانتخابات النيابية المقرر إجراؤهما معاً في 24 حزيران / يونيو الجاري، فإنه سوف يعمل على تشكيل مجلس تعاون للسلام والتشاور بين تركيا وسوريا وإيران والعراق.

المثير هنا أن حزب الشعب الجمهوري هو الحزب الذي كانت له المواقف العدائية الأكبر تجاه العرب منذ تأسيسه من جانب أتاتورك مع بداية العهد الجمهوري عام 1923 وحتى الأمس القريب.

وتاريخ التحالفات بين تركيا وجيرانها كان تاريخاً من الكذب والمخاتلة والخداع والعداء للأمة العربية. بدءاً من الاعتراف ب«إسرائيل» عام 1949 وصولاً إلى حلف بغداد السيئ الصيت في منتصف الخمسينات.

مع ذلك، فإن كل هذه التحالفات المذكورة كانت لا شيء أمام التحالفات التي أرادت تركيا حالياً إقامتها بذريعة السلام والتعاون والروابط المشتركة والتاريخية وما إلى ذلك من مواصفات.

وما كانت العلاقات الممتازة التي نسجتها تركيا مع سوريا والسعودية ومصر ولبنان بعد وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة عام 2002 سوى الهدوء الذي يسبق العاصفة والعسل الذي يسبق رياح السموم.

فما إن لاحت في الأفق احتمالات تغيير في خريطة المنطقة وتغيير المعادلات بسبب ما يسمى بهتاناً «الربيع العربي» حتى كانت أسهم حزب العدالة والتنمية تتهيأ في جعبتها وتنتصب على القوس مطلقة الآلاف منها على علاقات حسن الجوار مع الجميع. تدخلت أولاً في الشأن الداخلي السوري واعتبرت الحرب في سوريا شأناً داخلياً تركياً لكي تبرر تدخلها.

ومن ثم انقلبت على الاتفاقات مع أكراد تركيا وزعيمهم المعتقل عبدالله أوجلان من أجل حسابات داخلية ضيقة ومن ثم تبرير احتلال مناطق في شمالي سوريا يقيم فيها الأكراد. وانقلب حزب العدالة والتنمية على مصر بعيد الإطاحة بحكم الإخوان المسلمين ووصفت ثورة 30 يونيو بالانقلاب وما زالت أنقرة تكرر هذه الصفات حتى الآن. كما تم فتح أبواب تركيا أمام الإعلام المعارض لمصر والرئيس السيسي وأنشأ لهم محطات تلفزيونية ووفر لهم الإقامة وما إلى ذلك.

ولم يتردد حزب العدالة والتنمية في أن يعيد تطبيع العلاقات مع «إسرائيل» في 27 يونيو/حزيران 2016 رغم أن شرطاً مركزياً من شروط تركيا وهو كسر الحصار عن قطاع غزة لم يتحقق من جانب «إسرائيل».

العودة الآن في خضم الحملة الانتخابية إلى الحديث عن تحالفات أو أحلاف أو مجالس تعاون أو هيكليات لا معنى له رغم أن حزب الشعب الجمهوري وقف موقفاً معارضاً لسياسات أردوغان تجاه المنطقة.

فقد عانت الدول العربية بمختلف انتماءاتها وتوجهاتها السياسية من السياسات التركية سواء في عهد الإسلاميين أو العلمانيين أو العسكر. والعبرة ليست في المواقف عندما تكون في المعارضة بل في السياسات الممارسة عندما تكون في السلطة. فليس من حزب بعد، سجّل على نفسه أن يكون على علاقة جيدة مع جيرانه وهو في السلطة.

وتركيا من تاريخ علاقاتها مع العرب كانت تنتهج سياسات معادية طامعة في حدودهم وأرضهم ومنتهكة لسيادتهم ومقتطعة لقسم من أراضيهم ومتحالفة مع عدوهم (إسرائيل)، اقتصادياً وعسكرياً وأمنياً وسياسياً وثقافياً. ومن تجارب الماضي وما نراه في الحاضر منذ سنوات وحتى الآن فإن العرب عانوا كثيراً من سياسات تركيا الخارجية.

ولو أن القاعدة التي تعتمد هي ألا تتطلع تركيا تحديداً إلى أراضي غيرها، وأن تحترم الخصوصيات الداخلية لكل بلد، ولو أن تركيا انشغلت بحل مشكلاتها الداخلية بدل تصديرها إلى الخارج، لو حصل كل هذا، لما كان لنا نحن العرب أن ننظر بريبة إلى العقل التاريخي التركي. كل تعاون من جانب تركيا مع العرب كان يتحول إلى مناسبة وأداة لبسط الهيمنة وليس إلى تفعيل التعاون الثنائي المشترك.

النهج الأسلم لعلاقات تركية- عربية جيدة هو أن يهتم كل طرف ولا سيما تركيا بشؤونها الداخلية وألا تتورط في شؤوننا نحن العرب حتى ولو كان ثمن عكس ذلك عسلاً ولبناً وتحريراً لفلسطين. الأسلم والأكثر أمناً لنا علاقات الند للند والدولة للدولة خارج أي تحالفات أو ملوحات وعلى قاعدة «الله يسعدو ويبعدو». فالمؤمن لا يلدغ من جحر واحد مرتين، فكيف إذا كان اللدغ التركي تكرر أكثر من مرتين؟

“الخليج”