aren

تبدل في استراتيجية الولايات المتحدة الأمريكية \\ بقلم : د. ‏عماد فوزي شعيبي
الخميس - 20 - يناير - 2022

‏كان لافتا قبل ايام، إعلان (اليونان) ‏عن تراجع الولايات المتحدة، ‏عن دعم مشروع “الايست ميد” ‏لمد خط أنابيب تحت البحر بطول 1900 كيلومتر لتزويد أوروبا بالغاز الطبيعي من شرق المتوسط ، وهو ما تم الاتفاق عليه عام 2020 بين اليونان وقبرص واسرائيل لمد خط أنابيب الغاز الطبيعي بطاقة 10 مليار متر مكعب من الغاز سنويا من كل من إسرائيل وقبرص إلى أوروبا ، وكان تكلفة مدة هذا الخط بحدود 6 مليار دولار تساهم بها أمريكا، ويبدو أن الأخيرة تراجعت لمصلحة تركيا . في هذا الوقت الذي تتابع به واشنطن ، صراعاً بيّنا بحرب باردة مستعرة مع روسيا بخصوص أوكرانيا وكازاخستان و(غيرهما‏)، وهو صراع يبدو لي من الزاوية الاستراتيجية بمثابة حَوَلٍ سياسي ، واستراتيجي.

ففي الوقت الذي تشكل فيه الصين ، الهاجس الأكبر للولايات المتحدة، فإنها تلتهي عنها بسرعة مع الاتحاد الروسي ومحيطه ، ونقول انه حَوَلٌ سياسيّ؛ لأن هذا يبدد التوجه الأمريكي والقوات الأمريكية في صراعات جانبية ، محورها أوروبا، وفي هذا عودة‏ إلى نموذج الحرب الباردة القديمة فيما تستفيد من هذا الوقت الصين.

‏ومهما قيل عن أن الولايات المتحدة الأمريكية ، تحاول الضغط على روسيا لاستمالتها  في الصراع مع الصين او على الاقل لتحييدها، فإن هذا الأمر يبدو بالنسبة لنا هو الحول في الرؤية الاستراتيجية، لأن المصالح الأوراسية لروسيا تتجاوز بكثير هذا الرهان الأمريكي، (ولا ننسى توقيع اتفاقية مد الطاقة ‏الروسية إلى الصين، وهي الاتفاقية التي دعيت اتفاقية القرن ، والتي لن تتخلى عنها روسيا مهما كان الأمر ومهما كانت الضغوطات)، وقد حاول ترامب، استمالة الرئيس بوتين ولم ينجح، ‏وها هي إدارة بايدن ، تكرر الخطأ نفسه.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين

 إضافة إلى أن روسيا ‏لا تثق في الولايات المتحدة الأمريكية ، خصوصا وأنها تتمدد بتجاه محيطها وتعيد إحياء  الناتو، ‏وكأنها في ما بعد الحرب العالمية الثانية ومطلع الحرب الباردة، ‏ولا تزال الدولة العميقة في واشنطن تعتبر أن روسيا عدو،  فهي تنشر الصواريخ وبعضها المحمل بالقنابل النووية في دول كانت تحسب على الاتحاد السوفيتي متجاوزة الاتفاق، الذي تم في لحظة تفكك الاتحاد السوفيتي بعدم الإقتراب من محيط روسيا ، او تهديدها جيوبوليتيكاً، وهذا ما يجعل ‏الثقة في الولايات المتحدة الأمريكية شبه معدومة.

‏‏المهم في الأمر ، أنّ ‏تركيا ستستفيد جدا من هذا التحول، ولا بد أن تقبض ‫واشنطن ثمن  ذلك ‫منها في غير مكان في العالم،  فهل تغامر تركيا ‏بتحول عن علاقتها المصلحية مع روسيا (غاز ونفط وتعاون …) أم ستبقى دولة متأرجحة تجمع النقيضين بين الناتو وموسكو.؟ سؤال برسم المستقبل. ‏‏وكما يقول البعض بأن الجري مع الأرنب والصيد مع كلب الصيد أمر غريب في العمل السياسي والاستراتيجي،‏ فقبل 100 عام ، دفعت تركية العثمانية ثمناً باهظاً بقرارها تسهيل الهجوم الألماني على روسيا في البحر الأسود، وكان الثمن تفكك الامبراطورية العثمانية. ‏واللعب مع موسكو في مصالحها الكبرى لمصلحة واشنطن أمر مكلف اكثر لدولة ليست عظمى.

المهم أيضا ، أن إسرائيل تتضرر من التراجع الأمريكي هذا، وهي التي كانت تأمل في مرابح كبيرة من تصدير الغاز من حقلي (لوياثان وتمار)، ‏وفي هذا قول جديد : بأن  مصالح الولايات المتحدة الأمريكية ، أهم بكثير من إسرائيل، وأن إسرائيل لم تعد الأولوية بالنسبة لها في منطقة الشرق الاوسط ، وهذا ما يناقش به الكثيرون من الاستراتيجية في الولايات المتحدة الأمريكية، ولهذا يفكرون بإنهاء الصراع في المنطقة وتخفيض دور إسرائيل ، باعتبارها قد أصبحت ثقيلا إضافيا على الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة!

هذه المقالة تعبر عن رأي صاحبها