aren

بين عثّ التاريخ وأفاعي السياسة ( تأملات على أعتاب مؤتمر المعارضة المأمول بدمشق ) د. فؤاد شربجي
الجمعة - 25 - نوفمبر - 2016

 

في آخر ما كتب أدونيس ، عبار ة تقول ( للتاريخ عثّه الخاص ، يزرع بيوضه على أعشاش الحاضر ) .. ويبدو ان ما أراده أدونيس ، هو التحذير من التهاون والتقصير في حماية الحاضر ، من عث التاريخ ، كي لا يجيء المستقبل من حاضر ، مهلهل ، مفكك ، ضعيف ، ومتحلل ..

أهالينا ، ما زالوا يحتاطون ضد العثّ ( العت ) ، فيضعون بين الاقمشة والالبسة ، موادا تقضي على العث او تمنع وجوده ، وتقتل بيوضه ، وبذلك يحافظون على الالبسة ونسيجها وقماشها ، سليما معافى ، وتظل هيئتنا معبر عنها بهذه الألبسة ، ويظل كياننا يكمن في اردية سليمة ، نظيفة ، وطاهرة من كل عت .

أحدهم يعتبر السياسيين ، شكلا من أشكال ، عت التاريخ ، يعبثون بالحاضر ، ويضعفونه ويزرعون بيوض عثهم فيه ، فتمتد الجريمة الى المستقبل ، خاصة عندما يكون هم السياسي ، الاستيلاء على الحكم من الحاكم ، والوصول الى كرسي الحكم ، ولو بمساعدة الملك النفطي فلان ، او بدفع من مخابرات البلد العلان .

السياسة الحقيقة ، هي العمل لتحقيق المصالح العليا للشعب والوطن ، وهي تنظيم الشعب ليكون قوة قادرة على انتاج ارقى مستويات الحياة ، وقادرة على الدفاع عن هذه الحياة ، وضمن ذلك ، يصبح السياسي جزء من روح التاريخ ، وعامل قوة للحاضر ، وجذر قوي للمستقبل ، وعامل القوة هذا ، هو عكس ونقيض  (العثّ ) ، الذي يضعف ، يهلهل ، ويفكك .

في سورية اليوم ، كارثة اسمها (الارهاب) تقتل وتدمر وتحتل ، وكارثيتها انها تهدف الى تسميم العقل الشعبي ، واطفاء البصيرة الحضارية ، وجعل الظلام مستقبلا للسوريين ، وتحويل حضارتهم الى تكايا سلطانية ، تعنى بالحرملك ، وبنزوات السلاطين السعادين ..

في سورية اليوم ، كارثة اسمها الارهاب ، يتواقح على العقل السوري المبدع ، ويريد حشره في (خلافه) تكفيرية ، وسبيله الى ذلك ، القتل ، والقهر ، والتكفير ، وتنصيب نواب لله على الشعب ، يفقرونه ويجوعونه ، ويتحكمون به ، ويقتلونه ، ويقتلون حاضره ومستقبله ، أليست كارثة ؟!

من واجب السياسي الحقيقي ، تنظيم الشعب ، وعمل الشعب ، ليكون قوة قادرة على الدفاع عن حياته ، وأمنه ، ومكوناته الحضارية ، في وجه هذه الكارثة (الارهاب) .

والسياسة الحقيقية ، تضع أولى أولوياتها ، الوقوف في وجه هذه الكارثة ، التي تمادت وتمددت ، وستتمدد ، ان لم نوقفها ونقضي عليها ، حاضرا ومستقبلا .

لذلك فان كل فعل سياسي ، يقلل من قوتنا ، ويشتت امكانياتنا ، ويجعلنا أضعف تجاه هذه الكارثة ، هو من السياسة المندرجة ضمن عثّ التاريخ ، وهذه السياسة ، بسبب ضعفها ، وتسللها للنسيج المجتمعي تسللا ، تنتمي للعثّ .

اليوم ، سورية تواجه ارهابا يستهدف حياتها ووحدتها وهويتها وحضارتها ، واليوم القوة المركزية لسورية ، هي الدولة ومؤسساتها وجيشها ، وهذه القوة تواجه الارهاب وتحاربه .

وعلى السياسيين الحقيقيين أن يدعموا هذه القوة ، ويرفدوها بقوى اضافية ، وان يقووا مؤسسات الدولة ، عبر اصلاحها ، وتحديثها ، ويساندوا جيشها .

أما السياسيون الذين يعملون بدعم من دول اقليمية ودولية ، هي نفسها ترعى الارهاب وتديره وتموله وتسلحه ضد سورية وشعبها ، فهؤلاء السياسيون من الطبيعي ، ان لا يكون همهم القضاء على الكارثة      ( الارهاب ) ، ومن المنطقي ( منطقهم ) أن يعملوا لتثمير الارهاب ، وقطف نتائج جرائمه بالاستيلاء على الحكم ، وتحويل سورية الى لعبة ببيد اعدائها ، وتحويل الدولة الى دمية ، بيد الدول الاخرى …

عندما يتحول السياسي من اضعاف الدولة ، الى العمل للاستيلاء على الحكم ، يتحول من عث ّ التاريخ ، الى أفعى السياسة . الاول يضعف ويهلهل ويفكك ، والثانية تسمم وتقتل .

ان السياسة تقتضي ، ان يتناول السياسي الحاضر ، فيحل مشكلاته القائمة ، بحلول مناسبة لهذا الحاضر ومشكلاته .

وتواجه السياسة اليوم ، الارهاب المدعوم من تركيا والسعودية وقطر وأميركا ، والمسلح بالحقد ، والطائفية ، والفكر التكفيري ، يهدد سورية ووحدتها وهويتها الحضارية ، ويهدد حاضرها ومستقبلها .

ومن أصول وبديهيات العمل السياسي ، أن نوحد القوى لمواجهة هذه الكارثة ، ومن بديهيات العمل الوطني ، أن ننسى أحقادنا ومطامعنا ، لنكون يدا واحدة ضد الكارثة ، ودفاعا عن أهلنا ، شعبنا ، وطننا ، وهويتنا الحضارية …

أما من يسعى لاستثمار الحالة التي تخلقها الكارثة ( الارهاب ) للقفز الى كرسي الحكم ، فان لا ضمانات من الشعب له  ، مهما اعطته السلطات من ضمانات ، ولا حصانة من التاريخ لفعله ، وهو مرفوض مرفوض ، هو ومؤتمراته ، أينما عقدها …