aren

بين الاسد وبوتين : قراءة للحل في سورية \\بقلم : د. فؤاد شربجي
الثلاثاء - 27 - يونيو - 2017

بعدما تطرقت في (الافتتاحية الماضية ) الى حقيقة عدم ملاءمة مسار جنيف ، لانتاج حل في سورية ، بسبب تغيير الوقائع على الأرض ، وبسبب اختلاف الواقع الميداني عما كان عليه أيام اعتماد مسار جنيف ، وبسبب تبدل موازين القوى السياسية السورية .

وبسبب تشقق وتنازع الدول الراعية للمعارضة السياسية المسلحة (دول الخليج ) ، وبسبب طبيعة الادارة الاميركية ، وبسبب صعود الدورالروسي الاقليمي والدولي ، والسبب الأهم – طبعا – هو تقدم الجيش العربي السوري وحلفاءه ، وانتصاراتهم على القوى المسلحة الارهابية ، واستعادة الكثير من الأرض السورية الى سيطرة الدولة .

وكما أنه لا يمكن الوصول الى حل في سورية ، بدون روسيا ، كما يعترف الغرب والشرق ، فان معرفة حقيقة الحراك الروسي للحل ، تستوجب دراسة مؤشراته ، وما يدل عليه .

وأرى أن المراقبين والدوائر الغربية ، أغلفت مؤشرا هاما من المؤشرات الدالة على الحل ، ألا وهو سلوك ومواقف وقرارات وتصريحات ، وسياسات الرئيس الاسد .

الغرب أهمل هذا الجانب ، ولم يدرسه جيدا ، أو تعامل معه باحكام مسبقة ، أو وفق ما يسمونه (التفكير بالرغبات ) ، فخسر الغرب وغيرهم ، الكثير من فهم الحقيقة السورية ، وتوجهاتها ومآلاتها  ، وساهم في دفع الغرب الى هذه الحالة ، التعاطي الغبي والسخيف والسطحي للاعلام السوري في تقديم معاني ، مواقف ، سياسات ، واجراءات الرئيس الاسد .

وربما كانت الصورة الساذجة والسخيفة ، التي يعطيها الاعلام الرسمي ، هي ما ورط المراقبين في الغرب وغيره الى عدم التعامل بجدية مع السياسة السورية ، كمؤشر يدل على حقيقة توجهات ومسارات الوقائع ، والاحداث .

من الأمور التي باتت لا تقبل الشك ، والتي برهنت عليها الوقائع والأحداث ، مدى التنسيق والتفاهم والاتفاق والتخطيط المشترك في جميع التفاصيل ، بين الرئيسين الاسد وبوتين ، بحيث بات فهم معنى سلوك ومواقف أي منهما ، ضروريا لفهم معنى سلوك ومواقف الآخر .

ولو أخذنا ما قاله الرئيس بوتين قبل أسبوع في اللقاء الصحفي السنوي ، حول سعيه لطرح حل سياسي في سورية ، يحافظ على وحدة الأرض والشعب والمؤسسات ، ويكون للجيش فيه الدور الأكبر .

لو أخذنا طرح بوتين هذا ، حول حل لم يربطه بجنيف ، بل صور أن ما سينتج عنه ، حكومة تتمثل فيها جميع أطياف وشرائح المجتمع السوري ، ويكون للجيش الدور الأكبر فيها.

لو أخذنا هذا الطرح لبوتين ، وتذكرنا أن الرئيس الاسد ، يعرب منذ فترة عن قناعته ، بأن مسار جنيف ، سينتج الحل المطلوب ، ويشرح الأسباب بعدم وجود نية لدى الأطراف الأخرى للحل ،

ودائما كان يشرح الرئيس الاسد ، أن الحل واضح ، قهر الارهاب التكفيري ، ومصالحة وطنية توحد الجميع في الحرب ضد الارهاب ، وحفظ الدولة ومؤسساتها ، وصيانة وحدة الأرض والشعب ، وحوار سوري سوري دون تدخل أجنبي ، ينتج فعالية ارتقاء سياسي شامل .

وفي جوهر طرح الرئيس الاسد ، حكومة وطنية يتمثل فيها الجميع ، والجيش العربي السوري أساس الدولة ، ويلتف حوله جميع القوى في محاربة الارهاب ، وصون وحدة الارض والشعب ، وجوهر الحل المطروح من قبل الاسد ، دائما الارتقاء السياسي الشامل ، لتحقيق مستويات أعلى من المشاركة بالحكم ، ومن العدل والمساواة والابداع الحضاري.

لو قرأنا ما قاله  الرئيس بوتين في ضوء ما يطرح الرئيس الاسد ، لاكتشفنا مدى التنسيق والتفاهم والتوافق بين الحليفين ، ولوتابعنا مايصدر عن الرئيس الاسد ، كممثل للسيادة السورية ، وما يصدر عن الرئيس بوتين ، كممثل لقوى السيادة والاستقرار والقانون الدولي في المنطقة ، وكحليف لسورية في حربها ضد الارهاب وضد اسقاط الدولة . لوقرأنا وتابعنا ما يقوله الرئيسان بوتين والاسد ، لتلمسنا التفاعل بين الحليفين ، ولأمسكنا بتفاصيل الصورة ، ومعاني المسار نحو الحل .

ان حديث الرئيس الاسد في مجلس الوزراء الأسبوع الماضي ، عن الصلاح الاداري ، وعن ضرورة احترام القانون ، يؤشر الى اطلاق عملية الارتقاء بالاداء الحكومي وفق معايير عصرية عليمة ، ترتقي بالعمل ، وتحارب الفساد.

ومهما كان من جدال حول الاصلاح الاداري ، ومدى اولويته أو نجاعته ، ولو أعتبره البعض كلاما نظريا ، الا أن طرحه من قبل الرئيس يجعله سياسة معتمدة بهدفها (اداء حكومي عصري فعال يخدم المجتمع وينفذ سياسات الدول بأمانة ) ومطروحة للنقاش العام للوصول بها الى ارقى أسلوب ممكن التطبيق .

وان كان هناك آراء حول الاصلاح الاداري في بعض جوانبه ، فان هناك اجماع وطني على احترام القانون ، وعلى التسمك بالمواطنة ، وعلى ضرورة هيبة القانون والدولة ، وعلى المساواة امام القانون ، وعلى العدالة وعدم التمييز .

وما قرره الرئيس في هذا الاطار ، طمأن الجميع الى ان من دعم الجيش في الحرب ضد الارهاب عليه ان يدعم الدولة كلها وأساسها الدستور والقانون ، وما قرره الرئيس وفصل فيه ، طمأن الشعب الى ان الدولة السورية ما بعد الحرب ، لن يكون فيها مجال لأمراء حرب ، أو لزعران الأزمة وسماسرتها .

لأن القانون فوق الجميع ، والانتصار على الحرب حسب الرئيس الاسد ، هو انتصار للقانون ، وانتصار على كل عوامل الضعف في الدولة وهيبتها  ، وهذا ما يؤكد على معنى الارتقاء الشامل ، كأساس من أسس الانتصار والهوية الوطنية الحضارية السورية .

الحل في سورية ، بجنيف او بغيرها ، لن يكون الا كما جاء في وقائع وقرارات وسياسات الرئيس الاسد ، وكما صرح حوله الرئيس بوتين . انه الحل ، الذي سيكون فيه للجيش الدور الواسع ، وهو الحل الذي يقوم على دولة المواطنة ، و وحدة الشعب والارض والمؤسسات ، ويعتمد المصالحة الوطنية ، ويعتمد حكومة يتمثل فيها الجميع.

ان الخروج من كل قيود جنيف الى فلسفة الوقائع السياسية والعسكرية ، والى معاني موازين القوى ، والى قوة الهوية الوطينة الحضارية لسورية والسوريين ،هو ما سنتج الحل ، ويبدو ان (الرئيسان ) الاسد وبوتين ، يعرفان جيدا معنى ما يقولانه ، وما يفعلانه ، وما سيصلان اليه .

والسوريون ، لن يقبلوا الا ما ينسجم مع هويتهم الوطنية الحضارية ، القائمة على الارتقاء الشامل والمستمر في جميع جوانب ، ومعاني الحياة .