aren

بين أنطاكيا ونصيبين … جامعة \\ بقلم : غسان الشامي
الخميس - 8 - نوفمبر - 2018

 

مبنى “جامعة انطاكية السورية”

حين قرأت ترجمة صمويل (كرامر) ، لنص مسماري من الألف الثالث قبل الميلاد ، يصف فيه تلميذٌ يومه المدرسي وعلاقته بالمعلم والعلم ، قلت: لو إننا تابعنا احترام العلم والمعلم ، لكان المريخ واحداً من مستعمراتنا منذ قرون بعيدة.

وعندما اطّلعت على قوانين مدرسة نصيبين، أقدم جامعة في العالم، وألق حروف وإدارة (مار) أفرام، أي قبل حوالي ألف وسبعمائة عام ، وكيف كانت لا تهاب تدريس الفلسفة إلى جانب الطب واللاهوت ، قلت: أي دمار معرفي احتّلنا ،وأناخ بسواده على بلادنا .

ووقتما عدت إلى “بيت الحكمة” ، الذي تأسس في عهد الرشيد ، وطوّر في عهد المأمون ، وما أضافه وترجمه السريان من الكتب التي استجلبت من الأمصار ، ودور يوحنا (بن ماسويه) ، وابن البطريق ، وحنين ابن إسحق ، وقسطا بن لوقا ، وغيرهم فيه ، والمخاضات العلمية والفلسفية ، قلت: أي تتار وأوباش ، أقعدونا ألف عام ونيّف ، نعلك الهراء في الكتب الصفراء .

في زمان باسق مضى ، أطلقت أنطاكيا (عاصمة سوريا) ، نعم عاصمة سوريا العظمى – وقتها – وثالثة مدن العالم القديم الكبرى، المسيحية والفلسفة من المشرق إلى الكون ، عبر الذهبي الفم ، وبولس السميساطي ، ولوقيانوس المعلم ، وأوريجانس السكندري ، وساويروس ، والعشرات من الفلاسفة والقديسين والشهداء ، ورفعت شأن المدارس ، وأعلت أكثر من ثلاثين كنيسة ، وتجلّت في العمارة الكبرى والمدنية، ثم طالها يباب التتار بأنواعهم الكريهة ومصائب الزمان، إلى أن غبّرها كتاب التاريخ المدرسي ، تاركاً إرثها نسياً منسيا، أو تحت عتمة سنابك الترك ، وملحهم الزنخ.

أيها السوريون العظماء … يا من أهديتم العالم الحرف ، فخرج من أميّته … يا من أوقفتم فيما مضى زحف التصحر على أخضر العمران ، وكان السريان سيف الحضارة ودرعها وترسها في (صدد ، القريتين ، مهين ، حوارين )، ها هي سوريتكم تنتصر اليوم على الجراد نفسه ،.. إنها فرصة الآن ، كي تمنعوا الرمل من اجتياح الفرات ، والخماسين من تشليع أغصان الفرّلق.

لا يمكن وقف الغبار الصحراوي الفكري ، إلاً بالعلم والمعرفة ، والأكاديميا.

لم يخرج القتلة وأصحاب الدشاديش القصيرة واللحى المقمّلة من الجامعات العلمية ، ولا الذباحون من معاهد الموسيقا، ولا أكلة الأكباد من المسرح الشكبيري، بل من مباءات الجهل ومدارس الورق الأصفر.

جامعة أنطاكية السورية … سورية ، هي مكان في الأمام ، والأمام لا يلتفت ، كما رأى (النفّري) الرائي … إنها ردّ على من أراد لنا أن نكون قاعدين في الوراء ، مستمرئين الجلوس فيه..

وكعادة السريان ، الذين أعطوا روحهم لهذه البلاد ، وما تزال أسماء قراها ومدنها تحكي حروفهم ، ما أقاموا ديراً إلاً وجاورته مدرسة أو جامعة …لأن العلم هو الإيمان الحق ، وهو السراج الذي عاف المكيال ، منذ أول شهقة محبة في التاريخ … ، لذلك هي جامعة أنطاكية سورية ، جامعة للسوريين ، ومن يلوذ بالمستقبل عندهم … ، مباركة ووارفة بطالبي العلم ، وأهله .

شكراً ، لأنكم تؤمنون بأن العلم والعقل ، هما الشرع الأبهى والأعلى …أنتم ملح الأرض.

بارخمور ريش ريشوني …

ألقيت هذه الكلمة – بافتتاح “جامعة أنطاكية السورية” – في معرّة صيدنايا