aren

بوتين وترامب : سراب الأيديولوجيا \\ د. مصطفى اللباد
الأربعاء - 14 - مارس - 2018

 

1510422069168565700_0

 

مع تراجع التفاهمات الروسية – الأميركية عموماً وفي سوريا خصوصاً، يعود خطاب المواجهة والتحدي لينشط ويزداد احتداماً مع الانتخابات الرئاسية الروسية المزمع إجراؤها هذا الشهر. وكانت التمايزات الأيديولوجية قد طغت على التحليل السياسي في منطقتنا، فاعتاد أغلب المحللين تفسير أصول الصراعات وأسس التحالفات على خلفيتها. ويزيد من وطأة هذا التبسيط المخل أن الطرفين الإقليميين المتصارعين في المنطقة الآن يستعصيان على التصنيفات السياسية الكلاسيكية بين اليمين واليسار، فلا هذا يسار فعلاً ولا ذاك يمين بالقطع.

الشيء ذاته ينطبق على روسيا، فسياساتها الداخلية شيء وسياسات الاتحاد السوفيتي شيء آخر مختلف تماماً، وهناك بون شاسع بين سياسات أوباما وسياسات ترامب. على الصعيد العالمي الأوسع ارتكب محللون سياسيون حول العالم – وليس العرب فقط – لعشرات السنين، خطيئة تفسير الصراع بين الشرق والغرب باعتباره صراعاً أيديولوجياً خالصاً بين الاتحاد السوفيتي السابق والولايات المتحدة الأميركية.

اكتفى المحللون السياسيون وقتذاك بمضمون الخطاب، فإن استعملت فيه مصطلحات مثل «منظومة الدول الاشتراكية في مواجهة الإمبريالية» عُد قائلها يسارياً، وإن غلبت عليه مفردات «العالم الحر في مواجهة الستار الحديدي» دُمغ قائلها يمينياً.

وعلى الرغم من أن مصطلح الأيديولوجيا مثله مثل الفلسفة والديموقراطية والاستراتيجية، من أصل يوناني ومشتق من مصطلحين أبوين مختلفين (أيديا بمعنى الفكرة أو الظاهرة أو التصور، ولوجوس بمعنى دراسة) ومعناها دراسة الأفكار، إلا أنه الأكثر استعمالاً على الإطلاق في التحليلات والحوارات السياسية حتى مع عدم وضوح معناه تماماً.

سارت كتب التاريخ حول العالم في اتجاه شبه وحيد، مفاده أن الحرب الباردة، بين أميركا وروسيا، إنما وقعت لأسباب أيديولوجية دفعت بها إلى الاستمرار منذ نهاية الحرب العالمية الأولى عام 1945 وحتى انهيار سور برلين ووحدة الألمانيتين في عام 1990 وما تلاها من تفكك للاتحاد السوفيتي السابق.

والحال أن الطابع الأيديولوجي في الحرب الباردة لا يمكن إغفاله، إلا أنه لا يصلح مؤشراً وحيداً على أسباب الصراع بين القوتين الكونيتين. واستنساباً وقياساً، يمكن أن يكون للصراعات طابع أيديولوجي، إلا أن عوامل الجغرافيا – السياسية تكون حاضرة ولها الأرجحية ربما، ومع ذلك يتم تجاهلها في التحليلات تماماً.

وإذ ترسم مصالح الدول على أساس اعتبارات كثيرة ومتنوعة، إلا أن جغرافيا الدول تحدد إلى حد كبير سلوكها في السياسة الخارجية والدفاعية والاقتصادية وربما حتى الثقافية. الصراع بين روسيا وأميركا يمكن رؤيته في القرن العشرين باعتباره امتداداً لصراع أعمق بين معسكرين، ونعني بذلك القوى البرية والقوى البحرية، منظوراً إليهما على قاعدة الجغرافيا – السياسية.

مثلت روسيا القيصرية والاتحاد السوفيتي وروسيا الاتحادية الآن القوى البرية في العالم مقابل القوى البحرية التي تولت زعامتها بريطانيا حتى عام 1945، قبل أن تتراجع وتترك الزعامة لأميركا. تواجهت روسيا ضمن الاتحاد السوفيتي مع أميركا في الحرب الباردة وما تلاها حتى الآن، ويعود السبب في ذلك أن أيديولوجيا الحكام تتغير، ولكن جغرافيتهم لا تتغير، ما يرتب أيضاً أن جغرافيتهم السياسية تبقى إلى حد كبير على حالها.

على ذلك يمكن تصور رابط ما بين لينين وستالين وخروتشوف وبريجنيف وأندروبوف وتشيرننكو وغورباتشوف ويلتسين ومدفيديف وبوتين، على الرغم من الاختلاف الواضح في الأفكار في ما بينهم جميعاً، بسبب أن الثقل في سياسات روسيا – أياً كان اسمها قيصرية أم اتحادا سوفيتيا او اتحادا روسيا – يندفع دوماً إلى الغرب حيث عمق روسيا الجغرافي في أوروبا.

وفي المقابل يمكن ملاحظة تشابه مماثل ما بين سياسات ترومان وروزفلت وأيزنهاور وكينيدي ونيكسون وفورد وكارتر وريغان وبوش الأب وكلينتون وبوش الابن وأوباما وترامب، كلهم سعوا إلى امتلاك القوة البحرية الأعظم وإلى محاصرة الجغرافيا الروسية الشاسعة بمنعها من الوصول إلى المياه الدافئة في البحر المتوسط والخليج العربي.

ستحاول روسيا الاستمرار في الصعود في عام 2018 مستغلة التراجع النسبي للولايات المتحدة الأميركية والضغوط المتباينة على ترامب، عبر تعزيز نفوذها السياسي في ملفات المنطقة المختلفة. سيفيد ذلك بوتين كثيراً في تحسين صورة بلاده أمام العالم وفي الحفاظ على موطئ قدم في الشرق الأوسط، الذي يبقى مع ذلك منطقة نفوذ وليس منطقة وجود، كما هو حال الأوراسيا.

وفي المقابل، سيحاول ترامب رويداً رويداً تضييق الخناق على روسيا في سوريا والمضي قدماً في اتجاه «صفقة القرن». حتى ذلك الحين ستستمر الأيديولوجيا حاضرة في توصيف الصراع بين الغريمين الكبيرين وفي التحليلات السياسية، ولكن التفحص أكثر في جوهر الصراع سيشي بأن أقدار طرفي الصراع الكوني وسياساتهما الكونية والشرق أوسطية تبدو مرسومة بعناية في كتاب آخر غير كتاب الأيديولوجيا!

“القبس”