aren

بوتين زعيم دولة بلا خليفة .. لماذا؟ \\ كتابة : د.حسام العتوم
الأحد - 8 - ديسمبر - 2019

بوتين

لمعرفة عمق اكتشاف الفدرالية الروسية لشخصية فلاديميروفيج بوتين الفولاذية لا بد من العودة للمربع الأول السوفيتي، وتحديداً لجهاز أمن الدولة آنذاك (K.G.B) لمؤسسة فيليكس أدوموند وفيج ديرجينسكي الملقب بالرجل الحديدي، وهو الجهاز الذي سمي بداية بـ (V.ch.K). وشخصية بوتين الامنية زُرعت في المانيا الشرقية في مدينة (دريزدن) ما بين عامي 1985 و 1990، وصدرت في المانيا ثلاثة كتب تبحث في شخصيته منها لـ الكسندر رار بعنوان بوتين (الماني في الكرملين).

وعُرف بوتين بتوجهه السياسي مبكراً حيث كان يبحث في المانيا عن أحزابها، وهو الذي بدأ عمله الاستخباري عام 1975 في مدينة ليننغراد- سانتك بيتروبورغ بعد دراسته للحقوق، وكان شاهداً على انهيار حائط برلين عام 1989.

وعبر عمله الإداري لاحقاً إنتقل لقيادة جهاز أمن روسيا (F.C.B) في عهد الرئيس بوريس يلتسين، ورئيساً للوزراء، وقائماً بأعمال الرئيس عام 1999 عندما استقال يلتسين. وبالمناسبة الرئيس يلتسين هو أول من سلمّ كرسي الكرملين لبوتين طوعاً لمعرفته بقوة مكانته الأمنية، ولكي يحميه وابنته تتيانا من أية مساءلة جراء الشبهات، وبسبب تهوره في استخدام السلطة. وتمت مكافأة يلتسين بتمثال ابيض عملاق نصب في مسقط رأسه (بوتكا) في ولاية سفردلوفسك، ومتحف، ولم يدان. وإلى الامام تكرر الأمر مع الرئيس دميتري ميدفيديف عام 2008 الذي أوتي به رئيساً احتراماً للدستور الروسي الذي لا يسمح للرئيس البقاء في السلطة لأكثر من دورتين رئاسيتين متتاليتين.

ومنذ عام 2000 تقلب بوتين على سلطة الكرملين عابراً لفتراتها الزمنية لدورتين رئاسيتين على نظام الاربع سنوات، تاركاً دورة لميدفيديف خليفته، ومبقياً على نفسه رئيساً للوزراء، وتم تعديل الدستور عام 2008 لتصبح الحقبة الرئاسية ستة سنوات بمعنى أن بوتين باق في السلطة حتى عام 2024. وبعدها يمكن تكرار مشهد الدستور الروسي بإعادة ميدفيديف والله أعلم، او يصوت الشارع الروسي على الابقاء على بوتين لستة سنوات أخرى إلى الامام، وهو الخيار الاضعف، ولا أعتقد بأن بوتين سيخالف الدستور كما يشاع، وسوف يحترمه، ويعترف بتقدمه في العمر في وقت لاحق.

وشخصياً اعتقد بأنه لم ينافس بوتين على شعبيته الواسعة سوى المرحوم يفغيني بريماكوف رئيس الوزراء، والسياسي، ورجل الأمن الخارجي المحنك، ولم يضاهيه في فترة الحكم غير الزعيم السوفيتي من أصل جورجي جوزيف ستالين 1941-1953 صانع النصر على النازية الالمانية في أعقاب الحرب الوطنية العظمى (الثانية) 1945 إلى جانب قائده الميداني جيورجي جوكوف مارشال ووزير دفاع الجيش الاحمر.

كتب وولتر لاكوير في مؤلفه “البوتينية – روسيا ومستقبلها مع الغرب عام 2016. ص (165) طارحاً سؤالاً كبيراً حول مستقبل بوتين “من سيخلف بوتين يوماً ما؟ هنالك نصف دزينة من الاسماء جرى ذكرها. من الواضح ان الخليفة سيتوجب عليه ان ينتمي إلى “طبقة النبلاء” الجدد. يتوجب عليه ان يكون قادراً، ولكن ليس إلى ذلك الحد، كي لا يطغى بريقه على سلفه. سيتوجب عليه ان يكون على ولاء للقائد الذي عينه وعلى ثقة بأنه سينتهج السياسة ذاتها التي انتهجها سلفه. من بين تلك الأسماء، لعل سيرجي شويغو shoigu Sergi هو الاكثر شهرة. إنه ليس روسياً إثنياً (ستالين لم يكن كذلك ايضاً)، وخلفيته الدينية خلفية بوذية، لكنه يعتبر صقراً في مجال السياسة الخارجية.

شغل ديمتري مدفيديف منصب بديل بوتين في الماضي؛ ولا يعتقد بأنه سيكون قائداً قوياً، لكن هذا الظرف يمكن أن يعمل لصالحه إذا ما تمكن من السمو بنفسه فوق دائرة الشبهات. الاسماء الأخرى المشمولة في هذه القائمة تتضمن سيرجي سوبيانين، محافظ موسكو. مع ذلك، إذا ما أجل بوتين تقاعده لسنوات، فإن مرشحاً شاباً قد يطل على الساحة بفرص أكبر من فرص أولئك الذين سبق ذكرهم. (انتهى الاقتباس).

ومن يدقق النظر في الشخصيات السياسية والامنية، وفي وسط النخبة السياسية التي تحيط بالرئيس بوتين لا بد له أن يلاحظ بأن أكثر هذه الشخصيات قرباً منه هو يوري أوشاكوف مساعده، وسيرجي لافروف وزير خارجيته، وسيرجي شايغو وزير دفاعه وقائد الجيش، ودميتري ميدفيديف رئيس وزرائه، وفالنتينا ماتفينكو رئيسة مجلس الاتحاد البرلماني الروسي (الاعيان)، ونيكولاي باتروشيف سكرتير مجلس الامن القومي (المخابرات)، ورئيس مجلس الدوما فيتيسلاف فالودين.

ومن المهم ان اسجل هنا بأنه لن تكون هناك مرحلة انتقالية بعد انتهاء الفترة الرئاسية الحالية لبوتين، ولن تكون الفرصة متاحة لميدفيديف لكي يكرر نفسه رئيساً إلى الامام، والممكن توقعه هو عودة روسيا لمربع الامن القومي، ولاستفتاء الشعب الروسي للإبقاء على بوتين من جديد ان رغب، وان رغب الشعب بهكذا خيار، او القدوم بشخصية سياسية جديدة مفاجئة جذورها امنية، واقتصادية ومعالمها سياسية واصلاح داخلي.

وبالنسبة للشارع الروسي فإنه، وكما أعرف وبحكم قربي منه يبحث عن الجديد، ولا يفضل تكرار الشخصيات التي سبق لها وأن عملت في العمل العام، وستبقى الكرة في ملعب النخبة السياسية الحاكمة، وليس بالضرورة بيد الاحزاب الرئيسة مثل روسيا الموحدة، والشيوعي، والليبرالي، وروسيا العادلة. وحري بي أن اذكر هنا بأن الرئيس بوتين في الانتخابات الرئاسية الاخيرة عام 2018 رشح نفسه بقوة، وفاز برقم ونسبة مئوية عالية 75.9% من دون الاعتماد حتى على حزبه الحاكم روسيا الموحدة. وهو شخصية بكاريزما غير عادية لكن محور الاصلاح الداخلي يشكل قلقاً شعبياً يتوجب تطويقه ولا مخرج أمام الزعامة الروسية من غير القدوم بكوادر قيادية جديدة ميدانية وطنية مخلصة. وهموم الداخل الروسي كبيرة، والنجاحات كبيرة أيضا في الداخل على مستوى البنية التحتية، وفي الخارج على مستوى الاستثمار الملياري الدولاري.

“عمون” الاخبارية