aren

\بعد مرور أكثر من 40 عاما \ فيلم “الرسالة” … قصة الاسلام ونبيه … لأول مرة في موطن الاسلام ومسقط رأس رسوله
السبت - 9 - يونيو - 2018

 

انتوني كوين بدور “حمزة ” في فيلم (الرسالة) بالنسخة العالمية – 1976

(التجدد) – مكتب بيروت

بعد مرور أكثر من 40 عاما على منعه من العرض داخل اراضي المملكة ، تفتتح دور السينما السعودية عروضها خلال فترة عيد الفطر، بفيلم “الرسالة” للمخرج السوري العالمي مصطفى العقاد . حيث كانت السلطات بالرياض انشأت في 18 نيسان \ أبريل ، أول دار سينما داخل المملكة .

قرار عرض الفليم الذي أنتج عام 1976 ، ونال مشاهدة جماهيرية هائلة ليرشح الى جائزة الاوسكار ، سمحت به إدارة الهيئة العامة للإعلام المرئي والمسموع في الرياض ، ما يعني أنه بات بمقدور السعوديين ، أن يشاهدوا هذا الفيلم ببلادهم – لاول مرة – في 14 حزيران \ يونيو القادم.

وستكون هذه هي المرة الأولى ، التي سيشاهد فيها الفيلم داخل دور السينما التابعة لدول مجلس التعاون الخليجي ، بعد أن كان محظورا من الشاشات في دول تلك المنطقة ، منذ إصداره الأول .

شركة Front Row Films ، الشركة المنتجة لفيلم الرسالة – (بالإنجليزية : The Message) ، ذكرت أن مراحل تحقيق آلية السماح من قبل الجهات السعودية لعرض الفيلم ، كانت بسيطة نسبيا.

وأضافت أن الفيلم ، الذي تم تصويره باللغتين الإنجليزية والعربية ، أصبح الآن جاهزا للتناوب خلال فترة العيد على شاشات السينما السعودية ، والتي يصل عددها الى (5) حاليا.

وبينما سيكون “الرسالة” ضمن عروض السينما السعودية ، فان لهذا الامر قصة مختلفة في الكويت (احدى دول مجلس التعاون) ، فقد ذكرت الشركة المنتجة ، أنه وخلال التفاوض على السماح بعرض الفيلم ، تم أولا مشاهدته من قبل (كبار) رجال الدين الكويتيين ، الذين وافقوا على محتوى الفيلم ، ليشاهده الجمهور المحلي .

جاينلوكا الاشقر – المدير التنفيذي ل”فرونت رو”

وتابعت الشركة ، ولكن تدخل حصل في اللحظة الأخيرة من قبل وزارة الإعلام الكويتية ، وضع حجر عثرة على السماح بالعرض ، وأضافت “فرونت رو” ، أنه في ضوء الموافقة السعودية ، ستقوم بإعادة التفاوض لتقديم الفيلم في الكويت ، مع الأمل في أن تعيد السلطات الكويتية النظر ل(اطلاق سراح) الفيلم في الوقت المناسب ، حتى تتم مشاهدته بالتزامن مع عرضه في بقية دول الخليج .

وسيمثل عرض المملكة السعودية للفيلم ، اكتمال دائرة عرض هذا الفيلم العالمي ، فبعدما كانت السعودية واحدة من الدول التي وافقت بداية على تمويل الفيلم ، حيث كان المخرج (العقاد) يأمل في تصوير بعض مشاهده الحاسمة على أراضيها ، باعتبارها موطن الاسلام ، ومسقط رأس النبي محمد .

فانه وبنتيجة للجدل (الديني والسياسي) حول هذا المشروع من قبل العديد من الداعمين الإقليميين له ، ستسحب السعودية دعمها ، وهو مادفع بالعقاد الى الاستعاضة عن أماكن تصوير عدد من المشاهد داخل المملكة الى تصميم ديكورات مشابهة في كل من (مراكش المغربية ومرتفعات بنغازي الليبية ) .

تجسد قصة فيلم ” الرسالة” ، الرواية الكلاسيكية عن تأسيس الإسلام ، وقصة حياة محمد ، الذي لم يقوم بآداء دوره في الفيلم أحد ، فلم يصور في أي وقت ، وقد سمح باستخدام شخصيات هامشية داخل الفيلم ، من أجل أن تقوم هي بالنقل عنه ، وأن تخبر قصته.

 

قصة ولادة فيلم “الرسالة”

ثمة مايثير الدهشة في قرار الكويت بمنع عرض فيلم “الرسالة” – حتى الآن- خصوصا لجهة أن الكويت ، كانت حاضرة منذ اللحظات الاول لولادة هذا الفيلم التوثيقي ، حيث تاسست الفكرة بين المخرج (العقاد) وكاتب السيناريست الكويتي محمد (السنعوسي) .

واللذان توجها معا إلى بيروت ، ليلتقيا هناك برجل الأعمال السعودي الشهير عدنان (خاشقجي) ، الذي وعد بالتكفل بالفيلم ، وسيتم تأسيس شركة (فيلمكو) عام 1971 ، غير ان خاشقجي قدم لهم (350 ) الف دولار فقط.

خاشقجي

هذا الشح المادي لانتاج “الرسالة” ، سيعالجه السنعوسي نفسه ، عندما سيطلب المساعدة من وزير المالية والنفط في الكويت – آنذاك – عبدالرحمن العتيقي ، الذي بدوره سينصح بالذهاب الى البحرين ، لتأسيس شركة إنتاج تتكفل الفيلم ، وذلك لأن القيود القانونية الضريبية هناك سهلة التعاطي.

كما وأرسل العتيقي نفسه ، رسالة لنظيره البحريني يوسف الشيراوي للمساعدة في انتاج الفيلم ، حيث سيصار الى تأسيس “الشركة العربية للإنتاج العالمي” في المنامة ، وسيقدم الشيراوي تعهدا خطيا ، بإعفاء الشركة والفيلم من الضرائب 15 سنة.

وبينما سيواجه العقاد ضغطا شديدا جدا من مفتي السعودية عبدالعزيز (بن باز) ، الذي استطاع إقناع الملك فيصل بمعارضة الفيلم ، فانه ممايروى عن ذلك أن العقاد قرر زيارة (بن باز) لإقناعه ، فقالوا له كيف تزور رجلا ، يعتقد أن التصوير حرام أصلا .

ولكن العقاد حرص على هذه الزيارة ، وخلال حضوره إلى مقر رابطة العالم الإسلامي بمكة ، لاحظ اصرارا من قبل الحاضرين على حرمة التصوير، فالتفت إلى جواره ، ليرى صورة للملك فيصل على جريدة “عكاظ ” السعودية . سألهم العقاد عنها ، فالتزموا الصمت.

وكما تلفت شهادة العقاد حول مراحل التحضير ل”الرسالة” ، الى أن العلماء الذين رفضوا الفيلم ، لم يكونوا سعوديين ، بل من المقيمين في السعودية ، وأن من بين العلماء (عالم سعودي) فقط ، واسمه “أحمد الجمال” ، هو الوحيد ، الذي وقف مع العقاد !!.

الاشد ادهاشا واثارة للغرابة، أن فيلم “الرسالة” الذي دفع بمخرجه الى العالمية ، هو أول فيلم يخرجه مصطفى العقاد ، فلم يسبق له ان اخرج أي عمل سينمائي قبله ، حيث كان يعمل فحسب ، بإخراج مسلسلات في أمريكا.

أنتوني كوين ، مصطفى العقاد ، والكاتب كريج في فيلم “الرسالة”- (1976)

وعلى الرغم من أن مستوى التقنيات ، لم يكن عاليا حينها ( استخدام الكمبيوتر ، التكنولوجيا الرقمية ، الكاميرات الحديثة ، و إنتاج الخدع السينمائية ) ، بل لم تكن كلها بتصرف العقاد ، إلا أنه تمكن من تجاوز ذلك بالاستعانة وتوفير أفضل وأمهر الفنيين والمهندسين والمصورين ، وقد حشرهم إلى الصحراء من كل انحاء العالم .

الموسيقار الفرنسي موريس جار – واضع الموسيقى التصوير لفيلم “الرسالة”

في بعض التفاصيل ، حول الموسيقى التصويرية ، التي رافقت الفيلم ، أن العقاد أراد أن يصاحب الفيلم صوت موسيقي يليق بجلالة المحتوى ، فذهب للتعاقد مع الموسيقار الفرنسي العالمي الشهير موريس (جار) ، وقد أحضره للقاهرة والمغرب ، ليستمع الى الآذان في تلك الأحياء ، و داخلها .

أما عن سيناريو الفيلم ، فقد وضعه ، كاتب السيرة النبوية عبد الحميد جودة السحار ، عبد الرحمن الشرقاوي ، توفيق الحكيم ، والمؤرخ أحمد الشلبي ، ليصار بعد ذلك الى عرض النص على كبار الأدباء والمؤرخين والعلماء ، حيث توجه العقاد (المخرج) ، الى ان ينال إجازة خطية من الأزهر ، والمجلس الشيعي الأعلى بلبنان .

ويقال أن الأزهر (لوحده) ، استغرق سنة كاملة في قراءة ومراجعة السيناريو مع (السحار ،الشرقاوي ،الحكيم ،و الشلبي) والمراجعة مع كاتب النص السنياريست الأيرلندي هاري (كريج).

موسى الصدر

سيف”ذوالفقار” كما أظهره العقاد

بينما سيكون الحال في لبنان ، سهلا ميسرا على منتجي الفيلم ، حيث قال لهم رئيس المجلس الشيعي الأعلى موسى الصدر – من خلال قراءته للسيناريو-  لماذا يظهر سيف علي ” ذو الفقار” فقط . أعرضوا الامام (علي) شخصيا ، فأقنعه العقاد أن المسألة فوق طاقتهم.

لاحقا، سيتم إنشاء كل متطلبات مدينة إنتاجية مصغرة ، واستئجار كامل فندق “هولداي إن” في مراكش المغربية ، للمثلين وطاقم الانتاج ، كما وسيجري التصوير في قرية تبعد نصف ساعة عن مراكش ذاتها ، وذلك بعد أن طاف العقاد كل صحاري ليبيا والجزائر والمغرب ، يبحث عن بيئة للتصوير ، مضاهية لبيئة مكة والمدينة.

السنعوسي

وحسب ماجاء في شهادة للكاتب “السنعوسي” ، فانه “تم بناء بيوت لآلاف البشر الذين تم الاحتياج لهم” خصوصا لمن كانت الحاجة إليهم في المعارك ، وفي خطبة الوداع.

في هذه الاثناء ، ستصدر مذكرة من وزارة الإعلام المغربية الى العقاد وشركة الانتاج ، تقول لهم الضغوط توالت علينا من الدول العربية والإسلامية والجمعيات ، التي تطالب بتوقف تصوير فيلم “محمد رسول الله” – كما هو اسمه في البداية –  وأنه سيتقرر إيقاف التصوير ، ابتداء من هذه اللحظة .

وكان سبق هذه المذكرة ، حديث للملك المغربي الحسن الثاني شخصيا مع العقاد ، بأن الملك فيصل يتعرض لضغوط من العلماء ، ولن يستطيع حضور القمة الإسلامية المقررعقدها في المغرب ، قبل إيقاف التصوير. هذا عدا عن حاجة المغرب يومها ، إلى صوت السعودية في قضية الصحراء الكبرى ، التي كانت ستعرض في الأمم المتحدة لاحقا.

ماحدث حينها ، كان بمثابة الكارثة ، على العقاد و”الرسالة” ، خاصة أن مدة العقود ، ستنتهي مع كبار الممثلين (منهم انطوني كوين ) والفنيين والشركات المصاحبة ، والفيلم لم يكتمل بعد .

ليسارع العقاد ، ويطلب من السلطات المغربية ، السماح لهم (فقط) باستكمال تصوير مشاهد الكعبة ، لأنه يتعذر بنائها في مكان آخر، حيث تمت الموافقة على طلبه.

عبد الفتاح الوسيع

وهنا سيظهر دور ليبيا – القذافي في “الرسالة” ، فقد نصح الاعلامي الليبي عبدالفتاح (الوسيع) ، الذي سيقوم بدور “عبادة” في الفيلم ، العقاد بالتوجه إلى القائد الشاب في ليبيا العقيد معمر القذافي ، لطلب دعمه في استكمال الفيلم . بعدها سيذهب العقاد ، وسيوافق القذافي ، ويقال أن العقيد وفور مشاهدته لمشهد يصرخ فيها المسلمون بمكة “الله أكبر” ، أنه صرخ معهم ، قائلا ” لابد لهذا الفيلم أن يكتمل”.

بعد ذلك ، سيتم نقل المعدات ببواخر لشهور طويلة ، وسيتكفل اسطول بحري بنقل بيوت جاهزة من بريطانيا الى صحراء في (جنوب ليبيا ) كمساكن للممثلين وطاقم العمل ، وتم التصوير في مرتفعات “بنغازي” . وبالفعل أُكمل الفيلم في ليبيا وجرت أحداثه في الصحراء الليبية ، وخاصة معركتي بدر وأُحد في مدينة “سبها “، الواقعة في قلب صحراء الجنوب الليبي، والبقية كانت بضواحي العاصمة الليبية طرابلس ، بتشجيع ليبي رسمي و شعبي.

الخميني

لم يتم الانتهاء من الفيلم ومنتجته في استيديوهات لندن ، إلا في أيار \ مايو 1977 ، ودشنَ العرض بدار سينما بلندن ، واستمر لمدة سنتين .

ستمر بعد ذلك ، ثلاث سنوات على عرض الفيلم في كل الكرة الأرضية  – ماعدا العالم الإسلامي – لتأتي فتوى شيخ الأزهر عبدالحليم (محمود) بتحريم الفيلم .. ، بينما سيسمح (الامام) الخميني بعرض الفيلم في إيران، وبقيت مصر رافضة عرض الفيلم – حتى لحظة وفاة العقاد –

 

كواليس “الرسالة”وعبقرية “العقاد” 

العقاد و”عائلته”

يروى من طرائف هذا الفيلم ، أن العقاد لم يستطع الحصول على لقطة تعبيرية لوجوه الجموع (كومبارس) التي كانت مكشرة ، فلجأ إلى حيلة ، وقال لتلك الجموع ، غدا إجازة لكم ، بمناسبة عيد ميلاد الملك الحسن .

كما قام باحضار الضابط المصري الذي عبر قناة السويس في حرب أكتوبر ، والضابط السوري الذي عبر الجولان ، وتم إلباس الممثل المصري عبدالله (غيث ) زي ضابط مصري ، والممثل السوري طلحت (حمدي) زي ضابط سوري ، وصعدوا إلى المنصة،يتحدثون كضباط أبطال ، بينما كانت الكاميرات الخفية ، تسترق لقطات وجوه الجموع الفرحة .

وفي خطبة “حجة الوداع”، تم التحايل باحضار شخص مجهول يرتدي قفطانا (ثوب فضفاض يلبسه رجل الدين المسلم ) ، وأخذ يتحدث عن الأيام الأخير في عهد الرسول (محمد) ، ولما كان هذا الرجل يخطب بطلاقة ، والدموع تسيل من عيون الجموع ، فان الكاميرات ، كانت تسترق اللقطات.

أما مشهد اغتيال (حمزة – عم الرسول محمد) ، الذي خلد سينمائيا الممثل المصري عبد الله غيث ، فله قصة طريفة ، حيث تكرر تمثيل هذا المشهد لمرات عدة ، وذلك بسبب أن المتحاربين (الممثلين) ، لم يكونوا يسمحوا ل(وحشي) بالمرور ، حتى لا يقتل حمزة !!.

هند وغيث مقتول

مشهد مقتل “حمزة \ عبد الله غيث” في حين تنظر اليه “هند \ منى واصف” – الرسالة –

يذكر، أن الشاب الليبي “علي سالم قدارة” ، الذي كان يعمل مهندسا كهربائيا في الفندق حيث يقيم العقاد ، هو من أدى دور (وحشي) ، وبعدها سيعيش أزمة اقناع أمه ، بأنه ليس قاتل حمزة ، مادفعه للاستعانة برجال الدين ، لتوضيح الامر لوالدته !.

كما سيكون لمشهد انسحاب المسلمين في غزوة “أحد” قصته ، فقد رفض (هؤلاء) الانسحاب ، وقالوا للعقاد نحن مسلمين ، لن ننسحب .

أما كيف تحولت التسمية من “محمد رسول الله” إلى “الرسالة” ، فبحسب رواية العقاد ، أن المسلمين الأسيويين في لندن ، احتجوا بشدة على الفيلم ، فطلب منهم الحضور إلى صالة في المجمع الإسلامي لرؤيته ، وعند انتهاء عرض الفيلم ، انهالوا يقبلون يده ورأسه ، وقالوا له : ” نريد عمل دعاية للفيلم في كل مكان بما فيها البارات والحانات ، ولا نريد وضع اسم رسول الله في هذه الأماكن ” ، وظلوا يتوددونه بتغيير الاسم، واقترحوا تسميته بـ”الرسالة”.

من الجدير ذكره :

قام الممثل المصري (عبد الله ) غيث ، بتأدية دور “حمزة بن عبدالمطلب ” ، واخذ نفس الدور في النسخة الانجليزية، الممثل الامريكي (انتوني ) كوين ، والبطولة النسائية الممثلة السورية منى (واصف) في دور “هند بنت عتبة” ، وأدت الممثلة العالمية أيرين (باباس) الدور نفسه في النسخة الانجليزية ، ومن الأسباب التي جعلت الفيلم يطول زمنيا ، أنه كان بنسختين عربية وانجليزية.

العقاد يتوسط (كوين) من اليمين و (غيث) من اليسار

العقاد بين (واصف) من اليمين و (ايرين) من اليسار

أثناء التصوير في مراكش المغربية ، كان المكان مزارا لكل السياسيين الزائرين للمغرب ، ولا يزال إلى اليوم يتم اصطحاب السياح إلى قرية فيلم “الرسالة” ، التي لا يزال بنيانها قائما ، بما فيه بناء “الكعبة” الرمزي.

بلغت تكلفة إنتاج الفيلم حوالي 10 ملايين دولار أمريكي ، وكانت حصة الكويت من المساهمة في انتاج الرسالة (25% ) من رأسمال الشركة ، ومثلها (البحرين) و (ليبيا) أما الربع الأخير ، فقد كان قرضا على ذمة الشركة.

 

في نوفمبر تشرين الاول من عام 2005 ، سيكون (مصطفى العقاد) وابنته ريما ، ضحية عمل إرهابي لم يستهدفه ، وانما استهدف فندق “حياة غراند” في عمان – الأردن .