aren

بائع الشاي الذي يفتي في كل شيء! \\ كتابة : عماد الدين حسين
السبت - 28 - يوليو - 2018

 

وصلني من مسؤول اقتصادي بارز فيديو قصير لحكيم هندي خلال لقاء تليفزيوني. الرجل ذو اللحية البيضاء الكثيفة يحكي عن شخص وظيفته هي بيع الشاي مثله مثل آلاف وربما ملايين الهنود. هو يقوم ببيع يحوالي ٥٠٠ كوب شاي يوميا. هذا الرجل يخبر كل زبائنه بالطريقة التي يفترض أن يدير بها رئيس الوزراء الهندي البلاد ، في كل الملفات من السياسة للاقتصاد! وهو يخبر زبائنه أيضا بأفضل الطرق لممارسة رياضة الكريكت اللعبة الأكثر شعبية في الهند.

يقول الحكيم الهندي إن المشكلة أن بائع الشاي لا يعرف كيف يقوم بصنع أكواب الشاى بطريقة جيدة، رغم أنه يفتى في كل شيء من السياسة إلى الكريكت.

مشكلة هذا البائع ــ كما يقول الحكيم ــ ليست قاصرة على الهند، لكن يمكن أن تراها فى محال بيع الشاي أو المقاهي فى كينيا أيضا المشهورة بالشاي. والمؤكد أن المشكلة موجودة في كل مكان بالعالم وليس فقط في الهند أو كينيا.

الذين يفتون في كل المسائل كثيرون، وللأمانة في كل البلاد وليسوا قاصرين على دولة بعينها.

في الماضي ، لم نكن نشعر بالنشاط الكثيف لهؤلاء «الفتايين»،، لكن أحد مساوئ وسائل التواصل الاجتماعي أنها جعلتنا نسمع ونقرأ عن هذا الفتى والهري المستمر.

في مصر.. الجميع تقريبا خبراء في كرة القدم، ويتحدثون عن أفضل تشكيل للمنتخب أو للأندية، وتجد بعضهم جالسا «مجعوصا» في المقهى وسط أصدقائه وزملائه وهو يسب جوارديولا ومورينيو وفالفاردي وزيدان، وأنهم «هربانة منهم»، مقترحا التشكيل المثالي لفرقهم وطرق اللعب النموذجية.

الأمر نفسه في الاقتصاد، جميعنا صرنا خبراء في أعتى المؤسسات الدولية.. نتحدث عن أفضل الطرق لعلاج عجز الموازنة وزيادة النمو وتخفيض نسب البطالة والتضخم، مع ملاحظة بسيطة أن معظمنا لا يعرف ماذا تعنى هذه المصطلحات بالضبط!.

معظمنا أيضا صرنا خبراء استراتيجيين في كل المسائل والقضايا الدولية المعقدة. نفتي في أفضل الطرق لحل الأزمة في القرم أو شبه الجزيرة الكورية أو سوريا وليبيا واليمن مرورا بالأزمة في فنزويلا.

أعرف كثيرين صاروا يفتون في كل شيء لمجرد أنهم قرأوا «بوست» على صفحة مجهولة في الفيس بوك أو تغريدة عابرة على تويتر.

قد يفهم البعض كلامي باعتباره مصادرة على حرية رأي الناس. ولهؤلاء أقول: ليس هذا ما أعنيه بالمرة. لكن المسألة ببساطة أن أفضل من يرد على خطط هيكتور كوبر في الملعب هو مدرب أو خبير كروي حقيقي مثله، وليس كل من يجلس على المقهى. وأن أفضل من يرد على الوضع الاقتصادي ليس كل من هب ودب بل خبير اقتصادي حقيقي يكون مطلعا ومدركا للأوضاع والأرقام والبيانات الفعلية، وليس مجموعة من الشعارات والتمنيات والأحلام والآمال.

هل معنى ما سبق ألا يشكو الناس من الغلاء مثلا لأنهم ليسوا خبراء في الاقتصاد؟!

الإجابة حتما هي لا. من حق الناس أن تشكو، لأنهم الأكثر اكتواء بالأسعار، وأي شخص يسخر منهم هو عديم المروءة ، بل وعديم الإنسانية. لكن أنا أتحدث هنا عن الذين ينصّبون أنفسهم خبراء في كل شىء، ويفتون وكأنهم مكشوف عنهم الحجاب.

وحتى لا يتهمني أحد بالتحيز أسارع وأقول إن هناك العديد من الصحفيين يفتون في كل شىء، من دون إلمام بالمعلومات الكاملة عن القضية التي يتحدثون فيها أو السياق العام لها.

أفضل ما يفعله كل منا، أن يلم بصنعته ومهنته وبضاعته التي يبيعها، وبعدها يمكنه أن يتفرغ للإفتاء في أي قضية أخرى.

يصعب مثلا على الشخص الذي لا يؤدي عمله كما ينبغي، أن يلوم أي مقصر. كما أن اللص لا يملك الحق الأخلاقي أن يعظنا عن الأمانة والفضيلة. على بائع الشاي أن يحسن عمله قبل أن يتحدث عن سياسات حكومته أو قواعد لعبة الكريكت!!!.

“الشروق” المصرية