aren

انفجار على بحر الروم \\ كتابة : جهاد الزين
الخميس - 20 - أغسطس - 2020

انفجار بيروت

المؤرخ المحامي عبد اللطيف فاخوري، وهو ابن عريق لبيروت، استعاد مراتٍ تسميةً كان يطلقها مؤرخون مسلمون وعرب على شرق البحر الأبيض المتوسط وربما على كل المتوسط هي «بحر الروم» انطلاقاً من وثائق تاريخية قديمة جزء منها يتعلق بتاريخ بيروت ك «ثغر» على «بحر الروم»(البيزنطي).

ها هي إحدى “جواهر” “بحر الروم” في المائتي عام الأخيرة والمرفأ المزدهر تاريخياً على طول الساحل السوري تحت السيطرة العثمانية من اسكندرون إلى غزة، والعاصمة العربية الأكثر نزوعاً إلى الحريات السياسية والثقافية والاقتصادية، أعني بكل ذلك بيروت طبعاً، وقد شهدت

الانفجار الضخم الذي لا يقل غموضه حتى الآن عن ضخامته التدميرية. لكن ما تشهده بيروت المفجوعة هو أيضا إقبالٌ دولي وإقليمي يعبِّر عن تجدد الصراع الخارجي عليها. اللا غامض الوحيد الأكيد في هذا الانفجار هو حجم الفساد والإهمال البيروقراطي اللذين أتاحا حصول هذا الانفجار.

إذن “جريمة ضد الانسانية” كما صنّفها بعض خبراء القانون الدولي.

أمس، كنت أتكلم مع الدكتور أنطوان مسرة الأستاذ اللامع في العلوم السياسية والعضو السابق في المجلس الدستوري، وهو الذي نجا مع عائلته من التخليع والدمار اللذين أصابا بيته التراثي القديم في أعلى شارع مونو في منطقة الأشرفية خلال انفجار المرفأ، فقال لي أن أكثر ما يزعجه هذه الفترة هو الطريقة المتسرعة والسطحية التي “ينظِّر” بها من أسماهم “المثقفون بلا خبرة” في تناول قضايا الشأن اللبناني ولاسيما قضية العلاقات بين الطوائف.

كل هذا الهول لا يتمكّن من تغيير قواعد الاشتباك في تقاليد السياسة المحلية للبلد المنكوب.

فمن الواضح للمرة الألف أنْ لا حل داخليا في لبنان. أعني بالحل إمكان تغيير في آليات إدارة الدولة على أسس جديدة. الأفق، كالعادة هو أفق تشنجات وتسويات مع زخم دولي جدي. الطبقة السياسية مع أنها أكثر من أي وقت مضى خلال المائة عام الأخيرة تحت ضغط شارعي هائل على يد جيل شبابي جديد، هذه الطبقة تمارس العمل السياسي بأساليبها القديمة وأهمها اللعب على شفير الهاوية… أي شفير الحرب الأهلية.

ينبعث هذا التهديد من مضمون مواقف كل القوى اللبنانية الرئيسية مهما بلغت نسبة “لطافتها”. حزب الله، حلفاؤه وأعداؤه. وقد لا أبالغ إذا قلت أن السياسة اللبنانية موجودة دائما على ضفة الحرب الأهلية. هذا تاريخ طويل لم ينقطع حتى بعد نهاية الحرب الأهلية عام 1990.

الصراع السياسي الداخلي مسكون بهذه الحرب كأنما هذا الصراع هو دائما حصيلة حرب أهلية لا تقع بسرعة ولكنها واقعة في تخاطب ضمني وعلني بين قوى تمنّن بعضَها البعضَ إما بالتعايش أو بعدم إنهاء التعايش.

لن يبخل علينا سياسيون محترفون ب “وعد” أنهم يريدون “منع الحرب الأهلية”. شكراً. يصل التهديد من جهات عديدة إلى كل المجتمع اللبناني المغلوب على أمره بالمعنى الحرفي للكلمة. المسألة حتى الآن أن لا دعم خارجيا لمشروع الحرب الأهلية. فغياب هذا البعد يعني منع تمويله.

نحن في آتون صراع قد تتبدّل فيه حسابات الربح والخسارة بين القوى الخارجية ولكن أحد أهم عناصر الوضع الراهن في المنطقة هو بحث إيران عن تسوية مع واشنطن،واحتفاظ طهران بقاعدتها اللبنانية يدفعها أيضا إلى ما يمكن تسميته السعي للتسوية الصغرى لمنع إضعاف هذه القاعدة بانتظار التسوية الكبرى.

تَصلّبُ حزبِ الله في الوضع الداخلي اللبناني، بعيدا عن المظاهر الليّنة، لا يعكس تصلّباً إيرانيّاً بل يتمّمه كأداة فعّالة. فبين “بحر الروم” و”الخليج الفارسي”، الأول رأس الجسر، والثاني عقر الدار، المشروع الإيراني بات محاصَراً بل إيران نفسها. وهذه وضعية تسووية مهما بلغت خطابات العكس بل مهما بلغت اختراقات العكس وأهمها في اليمن المنكوب.

jihad.elzein@annahar.com.lb

Twitter: @ j_elzein

“النهار”اللبنانبة