aren

انطباعات أولية حول نتائج قمة هلسنكي \\ بقلم : د.فؤاد شربجي
الثلاثاء - 17 - يوليو - 2018

 

بوتين – ترمب

في بداية القمة ، تصرف ترامب بجلافة ابن السوق (السوقي) ، متأخرا بالوصول لأكثر من ساعة عن الموعد المحدد ، ولكن في نهاية القمة ، خرج هذا (السوقي) ، وقد أصبح لطيفا ودودا ، يمازح بوتين ، ويقدره أكثر ممايقدر المؤسسات الامريكية ، وخاصة المخابرات المركزية . دخل جلفا غليظ التصرف ، وخرج لطيفا ودودا متعاونا … ، انه ترامب.

في اللقاء الاول ، وقبل أي اجتماع ، تابعت احدى وكالات الانباء ، لغة الجسد لدى الرئيسين ، والتقطت ترامب وهو يغمز بوتين بعينيه أثناء مصافحته ، بطريقة من يشير لصاحبه (سننجز كل ما نريد معا ) ، وهي لغة أحضرها ترامب من السوق الى السياسة ، ويبدو أن بوتين يستثمرها .

في اجابته حول سؤال (هل صحيح ان كرة الحل السوري في ملعبكم؟! ) ، قام بوتين بتقديم الكرة الى ترامب ، قائلا له : (هاهي الكرة ، صارت في ملعبكم ) ، وكثيرون فسروا الحركة على أن بوتين المنتصر في تنظيم المونديال ، هو المنتصر في تنظيم الحل السوري ، وأن تلقي ترامب الكرة بسعادة ووضعها على الطاولة ، ثم تقديمها لزوجته ، دليل على تبني الرئيس الامريكي للحل الروسي في سورية . انها ديبلوماسية الرموز وسياسة الاشارات ، وتحتاج لمن يفهمها.

trump-putin-soccerball-gty-ps-180716_hpMain_12x5_992

كثيرون توقفوا عند دلالة الخطاب لدى الرئيسين ولغة الجسد اثناء مؤتمرهما الصحفي ، والكل اجمع على شحنات الخطاب واشارات الجسد لدى الرئيسين ، تدل على توافق تام ، وتشير الى اتفاق ضمني لم يعبر عنه بالكلمات ، فخرج عبر الشحنات والحركات ، فهل نفهم كسوريين ان الرئيس بوتين ، حصل من ترامب على تأييد لمسار سياسي ينهي الخلاف في سورية وعليها ، ويعيد الاستقرار وفعالية الدولة ومؤسساتها ، بمايحفظ مستقبلها ، ويعالج حاضرها .

ان ماقاله الرئيسان مهم رغم صيغته العامة ، ولكن المهم ايضا ، هو مالم يقولاه :

  • لم يتطرق اي من ترامب او بوتين للحل السياسي في سورية ، او لعملية جنيف ، او الانتقال السياسي ، او للقرار 2254 ، او للجنة الدستورية ، بل كل ماجرى ، هو أن بوتين ذكر آستانة ، عرضا .
  • لم يتم ذكر الرئيس الاسد ، لا من حيث التنحي ، ولا من حيث اتهامه بالكيماوي ، ولا من حيث ان لادور له في مستقبل سورية ، وهي الصيغ الامريكية الدائمة التداول ، وهذا السكوت عن مهاجمة الرئيس الاسد ، من قبل ترامب ، ألا يحمل دلالة ما ؟؟ وهل يعبر عن قناعة أعادت ترامب الى ابان حملته الانتخابية ، عندما اعتبر الرئيس الاسد ، المحارب الاساسي للارهاب؟.
  • نتيجة كل ذلك ، لم يأت الرئيسان على ذكر المرحلة الانتقالية ، ولا عن صلاحيات كاملة تنقل للحكم الانتقالي ، ولا حديث عن الدستور ، او الانتخابات ، ولا تطرق الى حق الرئيس الاسد بالترشح أو عدم حقه بذلك ، كل هذه الاليات من جنيف الى القرار 2254 ، غابت ولم تذكر ، فهل من معنى لذلك ؟ وهل ستتوقف الكتل السياسية السورية عند هذا المعنى ؟ وهل من قوة للسياق الذي جاء فيه تغييب هذه الآليات ؟ أو ان تحت الكلام ، أمور أخرى ، لم نستطع فهمها؟.
  • وأهم ماجرى الحديث عنه في المؤتمر الصحفي عن سورية ، هو التعاون في المجال الانساني والعمل على عودة اللاجئين والنازحين الى ديارهم ، وخاصة ان هذا المطلب ، هو بمثابة أمن قومي لاوروبا والعالم ، ولدول الجوار ، وربما يقول قائل : “ان هذا يتضمن استكمال سيطرة الدولة على كامل الارض السورية (انتصار الدولة) ، وربما آخر يعتبر ان في عودة اللاجئين ، تعبير عن انجاز الحل السياسي ، وهذا يتضمن العملية الدستورية ومخرجاتها ، فأي القولين هو الواقع ، أو أن كلاهما معا ، عملية واحدة ؟.
  • لم يتطرق الرئيسان لموضوع الاقليات (الاكراد) أو الطوائف ، وهي تعبيرات كلاسيكية عند الغرب ، كما لم يجر الحديث عن أي شيء يدل على تنبي مطالب الاكراد أو السنة أو دول الجوار ، كل الحديث دار عن عودة اللاجئين ، فأين المشروع الامريكي للاكراد ؟ هل ألغي ؟ هل تم تجاوزه؟.
  • من الامور اللافتة ، تركيز الرئيسان ، وخاصة ترامب على الدور الاسرائيلي في التفاهم حول سورية ، وعلى أهمية الامن الاسرائيلي كموضوع مركزي في القضية السورية ، فهل يعيدنا هذا الامر الى الدور الاسرائيلي منذ بداية الازمة ، وهل يجهد ترامب لترجمة بعض ماجرى لصالح اسرائيل ؟ وهل يمكن أن تقبل روسيا باخراج ايران من سورية ، قبل ضمان انتفاء سبب وجودها ، وهو العداون الاسرائيلي المستمر ؟ وهل يتعهد ترامب بضبط الدور الاسرائيلي ، خاصة مشاريعها في الجولان ، قبل التفاهم على مدى الحضور والتعاون الايراني السوري العسكري القريب من حدودها ؟.
  • من الواضح ان الملف الساخن في قمة ترامب بوتين ، كان سورية ، ومن الاكيد ان قهر الارهاب على معظم الارض السورية ، لم يترك لترامب الا الاعتراف بدور الدولة والجيش والقيادة في هذه العملية ، التي تحارب الارهاب خدمة لسورية والمنطقة والعالم ، فهل يمكن لبراغماتية أي زعيم ألا يستفيد ، ويتعامل ، ويتفاعل مع مثل هذه الوقائع ؟ وهل استطاع ترامب أن يخرج في هذه القضية عن الفلكلور العدواني للهيمنة الامريكية ، ويعترف بحقائق الوضع في سورية ؟.

من المبكر الجزم ، ولكن من الواجب المتابعة والتفكير والفهم ، ومن الضروري ترجمة الحقائق في مواقفنا السياسية ، خدمة لوطننا وشعبنا .التعاون الروسي الامريكي بدأ ، وعلينا دفعه ليصب في مستقبل ومصلحة شعبنا ووطننا ، فهل نحن فاعلون ؟.

ملاحظة :

على طريقة زميلنا رئيس تحرير موقع “التجدد” ، فان مقالتنا السابقة ، حول قمة هلسنكي ، بعنوان
(قمة ترامب بوتين : مجريات ونتائج)، وبعد معطيات المؤتمر الصحفي ، شكلت سبقا ، ومازالت أفكارها وتوقعاتها ، صالحة للنقاش ، وربما للتعديل ، أو للنسف .