aren

انتهاء … ام استدارة “الحقبة الامريكية” \\ بقلم : الدكتور فؤاد شربجي
الأحد - 29 - أغسطس - 2021

“فوكوياما” ، الذي يوصف بالمفكر الامريكي ، يحمل هم (انتهاء الحقبة الامريكية) ، ولا يعير ضحايا امريكا من الدول ، أي اهتمام. وبعد سقوط ماطرحه حول (نهاية التاريخ) – قبل أكثر من 20 عاما- يحافظ فوكوياما على صفة المفكر، فقط لانه يستمر في السعي لتشخيص أحوال امريكا ، سواء صحت أو لم تصح . فهي تظل تشخيصات جزئية وسطحية ، لاتلبث ان تصاب بالبهتان والتلاشي تماما ، كما حصل مع “نهاية التاريخ”.

ليس المقصود بهذا التقديم ، نقض فكرة (انتهاء الحقبة الامريكية)، التي تحدث عنها فوكوياما، لكن غرضي من هذه العجالة ، ايضاح حقيقة تحول – لا انتهاء- الحقبة الامريكية .

والتحول هنا ، عملية استدارة في الاستراتيجية الامريكية من استخدام القوة العسكرية المباشرة ، والحضور عبر الجنود والضباط والآليات الى اعتماد اساليب تأثير أخرى ، أساسها استخدام (وهج القوة العسكرية) عبر الصواريخ بعيدة المدى ، وعبرالتلويح باستخدام القصف الجوي ، كما أن أساس هذه الاساليب ، التأثير الاقتصادي والسياسي ، والاستخباري. كل هذه الاساليب ، ستكون رديفا الى اعتماد (سلطات فاشلة) ، تولد الفوضى ذاتيا ، وتعمق اعاقة تطور المجتمعات ذاتيا.

فهل هناك من مجنون ، يمكن ان يقول : ان استلام حركة (طالبان) للسلطة الافغانية ، سيؤدي الى دولة حديثة قوية ، تحفظ حقوق أفراد الشعب ، الذي ترى فيهم الحركة ، “عبيدا” لها ، باعتبارها ممثلة لله على الارض.

اذن ، نحن أمام (تحول نوعي للحقبة الامريكية ). والتحول غير الانتهاء ، وهذا التناقض بين التحول والانتهاء لا يحتاج الى مفكر ليكتشفه ، فلماذا تعامى عنه فوكوياما؟!

مايؤكد فكرة استمرار العدوان الامريكي على شعوب العالم عبر التحول والاستدارة من اعتماد الاستراتيجية العسكرية المباشرة ، لاعتماد استراتيجية اسقاط الدول والمجتمعات عبر تحويلها الى دول ، ومجتمعات فاشلة . مايؤكد هذا المعطى ، هو ان القوات الامريكية وخلال 20عاما في افغانستان ، لم تعمل بشكل جدي على انهاء “طالبان”، لاعسكريا ، ولا اجتماعيا ، ولا ثقافيا ، بل تركت لها هامش الاستمرار ، وربما تقوية قدراتها ، وتجذرها في المجتمع.

هذا من جهة ، ومن جهة لم تعمل واشنطن خلال عشرين عاما على اقامة دولة مستكملة لأسس قوتها . الأمن فيها كان مستأجرا ، وشركات خاصة أجنبية كانت تقوم به ، والجيش تم تدريبه ليعتمد على المساعدة الامريكية ، وليس تنشئته كي يعتمد على ذاته ، كما انها لم تزرع فيه أي ايمان بدوره في حماية شعبه ووطنه ، عدا عن ان الادارة الامريكية نفسها ، لم تساعد في اقامة دولة وحدة وطنية، تلغي النزاعات بين الفصائل والقبائل ، والطوائف.

وللتذكير، فان الادارة الامريكية في العام 2002 – أي بعد عام من غزوها للبلاد- رفضت التسوية التي شارك في انجازها (زلماي خليل زادة) بين الاطراف الأفغانية ، والتي تضمنت يومها قبول (طالبان) تسليم سلاحها ، وانخراطها في المشاركة السياسية ضمن دولة وطنية. فقد رفضت واشنطن هذه التسوية ، ودفعت حركة طالبان الى الجبال ، كي تستكمل بناء قوتها ، كما دفعت الدولة الافغانية لتبقى هشة ضعيفة ، ومفككة. وفي 15 آب \اغسطس الجاري ، تقرر الاعلان (المفصل) في تحول واستدارة الاستراتيجية الامريكية في أفغانستان عبر ترك البلاد لـ(طالبان) ، لتكون (روح الفشل) للدولة ، والمجتمع في المرحلة المقبلة.

ان معنى وخطورة التحول الامريكي واستدارة الاستراتيجية الامريكية ، لافشال الدول والمجتمعات ، وفي اخراجها من امكانية بناء قوتها بوجه التوجه الامريكي للسيطرة. هو جوهر (منع المجتمعات والدول من بناء قوتها) ، وهذا أخطر من التواجد العسكري المباشر ، هو أكثر خبثا ، وأكثر عدوانا.

وهذا مايؤكد ، ان بناء قوة المجتمعات والدول ، هو فقط مايؤدي الى انتهاء الحقبة الامريكية ، وهذا ما على الشعوب ان تفهمه ، وأن تفعله ، بل وأن تفرضه كذلك.