aren

انتخابات الكونجرس ومستقبل الأحزاب الأمريكية \\ محمد المنشاوي
الجمعة - 9 - نوفمبر - 2018

 

880x495_cmsv2_cfbd30ab-2f15-51ee-a8e6-48fe5f745744-3419326

عكست نتائج انتخابات الكونجرس الأمريكي وقائع جديدة تشير لمزيد من الاستقطاب السياسى لم يستطع الحزبان الرئيسيان التغلب عليه، وهو ما يعكس ضعفا متزايدا فى المؤسسة الحزبية التي عرفتها الولايات المتحدة خلال القرنين الماضيين.

وجاءت جهود ومساهمات ترامب الواسعة من خلال مشاركته الواسعة فى الحملات الانتخابية والمهرجانات الانتخابية حتى اللحظة الأخيرة لتدل على أنها بالأساس انتخابات حول وعن شخص دونالد ترامب. شارك ترامب فى أكثر من 50 مهرجانا انتخابيا خلال الشهرين الأخيرين، وذكر ثلثا المصوتين أن تصويتهم كان بالأساس تصويتا على ترامب أكد 91% من الجمهوريين دعمهم للرئيس. وسيدعى ترامب أنه بدون دعمه للمرشحين الجمهوريين لنال الحزب هزيمة نكراء، وخسروا مجلس الشيوخ أيضا.

من الناحية الأخرى سيدعى الديمقراطيون أن سياسات وشخصية ترامب كانت العامل الحاسم لفوزهم بمجلس النواب. وستعتبر هذه الانتخابات بمثابة استفتاء على سياسات ترامب الذى يتهمه خصومه بالتسبب فى إحداث انقسامات غير مسبوقة بالمجتمع الأمريكى. إلا أن هذه الانتخابات أظهرت كذلك أن ترامب لا يواجه منافسة من أى نوع داخل المعسكر الجمهورى. إلا أن نتائج الانتخابات أظهرت أن هناك ميلا شعبيا واسعا للابتعداد عن الحزب الجمهورى خاصة مع حصول الديمقراطيين على عدد أصوات إجمالية توافق ما حصل عليه الجمهوريين بأكثر من تسعة ملايين صوت.

ولم تشفع الأرقام الإيجابية للوضع الاقتصادى ونسب البطالة المنخفضة لترامب والجمهوريين، وهو ما يشير إلى عدم اكتراث الناخبين فى معظمهم بالأوضاع الاقتصادية أو عدم ربطها بالرئيس ترامب وسياساته. أما داخل المعسكر الديمقراطى فهناك أزمة قيادة لا تعرف أى حلول قريبة لها. والسؤال الملح الآن داخل معسكر الديمقراطيين يتعلق بهوية مرشحى الرئاسة عن الحزب فى ضوء نتائج الليلة السابقة. هل سيكون السيناتور شيرود براون من ولاية أوهايو (فاز بها ترامب عام 2016) أم السيناتور كريستين جيلبراند من ولاية نيويورك (خسرها ترامب 2016) . أم سيبقى هناك شبح هيلارى كلينتون وبيرنى ساندرز.

وكان للجوء الحزب لشخص الرئيس باراك أوباما ودفعة للمشاركة المكثفة فى مهرجانات انتخابية كثيرة لدعم مرشحين ديمقراطيين، ولجذب الناخبين من الشباب والأقليات علامة بارزة على وجود غياب قيادات ديمقراطية فاعلة تستطيع مواجهة دونالد ترامب في انتخابات رئاسية بعد عامين.

وتظهر أعمار قادة الحزب الحاليين في مجلسى الشيوخ، بيرنى ساندرز على سبيل المثال 76 عاما، وقادة مجلس النواب مثل بيلوسي 78 عاما، وستوني هوير 79 عاما، أن أزمة الحزب الديمقراطي القادمة ستتمثل في العثور على مرشح ذو شعبية وكاريزما تمكنه من مواجهة الرئيس ترامب عام 2020.

ما يتعرض له الحزبان الرئيسيان الجمهوري والديمقراطي خلال العامين الماضيين من أزمة غير مسبوقة تمثلت في وصول مرشح لا ترضى عنه قيادات وقواعد الحزب التقليدية في الحالة الجمهورية، وعدم تصعيد الحزب الديمقراطي لأي قيادات جديدة، يمثل نذير خطر للديمقراطية التقليدية كما عرفتها الولايات المتحدة.

وبعيدا عن ترامب، أو ربما بسببه، دفع السباق نحو انتخابات الكونجرس لتغيرات جذرية داخل تركيبة الحزبين الديمقراطى والجمهورى. فالحزب الديمقراطي يميل ــ ومنذ بروز ظاهرة بيرنى ساندرز ــ إلى اليسار لدرجة لم يتخيلها أكثر اليساريين انتماء بالمعايير الأمريكية.

وتشمل قائمة الحزب فى الانتخابات القادمة عدة مرشحين ممن ينتمون لفئة المتحولين جنسيا، والذين تدعمهم شبكات الـ LGBT وهى شبكات تزداد قوة وصلابة مع مرور الأيام وسط كتل الحزب الديمقراطى.

وصل بالفعل لمجلس النواب قائمة من المرشحين غير التقليديين ممن يصفون أنفسهم بأنهم اشتراكيون يسعون لتحقيق وتطبيق العدالة الاجتماعية، ولم يتخيل أحد لوقت قريب استخدام مصلح اشتراكى فى السياسات الداخلية الأمريكية، وعلى رأس هؤلاء المرشحين تجىء الشابة البالغة 28 عاما ألكسندريا كورتيز، والتى فازت بمقعدها فى دائرة بشمال مدينة نيويورك. كذلك تضمنت قوائم الأعضاء الجدد بمجلس النواب امرأتين أمريكيتين من أصول عربية مسلمة ينتميان للحزب الديمقراطي : السيدة رشيدة طليب، ذات أصول فلسطينية، فى الدائرة الثالثة عشرة بولاية ميشيجان، السيدة إلهان عمر، ذات الأصول الصومالية، في الدائرة الخامسة في ولاية مينيسوتا، وتمثل السيدتان تطورا كبيرا فى رؤية الحزب الديمقراطى لنفسه ومرشحيه.

أما الحزب الجمهورى على الناحية المقابلة فقد أظهرت نتائج الانتخابات سرعة اتجاهه نحو أقصى اليمين بالمعايير الأمريكية، ويقترب فى ذلك من الكتل العنصرية الكارهة للمهاجرين، والكارهين للإسلام، والكارهين للعولمة، وأنصار الشعبوية البيضاء، والمتشددين المسيحين. تلك الكتلة التى ظهرت بوادرها السياسية مع وصول رئيس أسود، باراك أوباما، للبيت الأبيض عام 2008، وعبرت عن نفسها في مجموعات حزب الشاي والتي تسيطر على أجندة الحزب الجمهورى التقليدية التي لا تتفق معها في الكثير من المواقف.

إلا أن ترامب، وقد نجح في إبراز نفسه كمدافع عن مصالح وآمال هذه الكتلة التصويتية العريضة أمام المؤسسة الحزبية الجمهورية، كان هو محور التصويت لمرشحي الحزب، ولم يخسر الجمهوريون بصورة كبيرة، بل على العكس وسعوا أغلبيتهم في مجلس الشيوخ على الرغم من خسارتهم مجلس النواب.

في النهاية لم يعد في وسع المؤسسة الحزبية، سواء الجمهورية أم الديمقراطية، التحكم في هوية مرشحي الحزب المفضلين. وعلى الرغم من ذلك لا يجرؤ أي من الحزبين على الابتعاد عن مرشحي التطرف اليسارى أو اليميني.

ولم يستطع الحزبان إفراز قيادات كاريزمية بارزة يمكن تخيلها على مقعد المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض. هل يمر الحزبان بحالة من الإنهيار، أم بأزمة تتكشف لهما خلالها التغيرات التى يمر بها المجتمع الأمريكى في خطابه السياسى، وفي تكويناته الاجتماعية والاقتصادية؟ التاريخ الأمريكي على مدى القرنين الماضيين اتصف بقدرته المرنة على التغير من أجل التكيف مع هيمنة الواقع يساعده على ذلك فلسفة بنيويته السياسية وتجربته الديمقراطية التي لا تزال فى أطوار النمو. الأحزاب الأمريكية كما عرفناها في سبيلها للاندثار وذلك دون الاتفاق على صورة أو طبيعة البديل أو البدائل.

“الشروق” المصرية