aren

امريكا في سوريا \\ كتابة : محمد نور الدين
السبت - 20 - يناير - 2018

 

ليست المرة الأولى التي يعلن فيها الأمريكيون تشكيل جيش من فصائل معارضة في سوريا. فقد شهدت الساحة السورية على امتداد الحرب فيها ظهور كيانات عسكرية معارضة، واختفاءها.

إعلان الولايات المتحدة تشكيل قوة عسكرية من ثلاثين ألف مقاتل في المنطقة التي تسيطر عليها «قوات سوريا الديمقراطية» بين نهر الفرات والحدود التركية – العراقية شكل محطة في مسار طويل.

القوة سيتألف نصفها من قوات كردية، والنصف الآخر من عناصر غير كردية، عربية وتركمانية وغيرها. الجديد هنا في الإعلان أن هذه القوة، أو «الجيش»، ستتمركز على الحدود التركية والعراقية. وهذا يفيد بأن هذه القوة أقرب إلى جيش تابع لدولة، وليس لكيان، أو لمنطقة خاضعة لفصائل مسلحة معارضة.

الخطوة تأتي بعد حسم المعارك العسكرية في شمال شرق الفرات بتطهيرها من تنظيم «داعش»، والسيطرة على مدينة الرقة. وبعد الحسم العسكري تعدّ الولايات المتحدة العدّة لرسم ملامح الكيان الجديد، سواء حدودياً، أو إدارياً، أو سياسياً، أو عسكرياً وأمنياً.

واشنطن بدأت بإشراك الخبراء المدنيين في بحث وتقرير الملف السوري، ولم يعد الأمر مقتصراً على ضباط «البنتاجون» والعسكريين والأمنيين.

من هذه الخطوات «المدنية» العمل على تشكيل هيئة سياسية انتقالية مؤقتة تدير شؤون تلك المنطقة.

أهداف عدة من وراء الإعلان عن هذه الخطوة، بل الخطوات.

أولاً، تحضّر الولايات المتحدة لاحتمال بدء مفاوضات الحل النهائي في جنيف، أو فيينا، أو أي مكان آخر. فتكون هذه الخطوة ورقة بيد واشنطن للضغط في المفاوضات النهائية، خصوصاً أن المنطقة واسعة وغنية بالثروات الطبيعية.

وثانياً، تريد أمريكا تثبيت الوضع الراهن ليكون مرتكزاً صلباً لنفوذ لها في سوريا كانت تحلم به منذ قرن، حيث إن سوريا كانت من المناطق القليلة في الشرق الأوسط التي لم تعرف نفوذاً أمريكياً داخلها. وهذه هي الفرصة الذهبية لها للدخول إلى سوريا، بل إلى منطقة تحاذي تركيا والعراق، وهذا يزيد من تأثيرها الإقليمي.

وثالثاً، إن تركيا معنية جداً بما تحضر له الولايات المتحدة في سوريا. فقوات الحماية الكردية هي التوأم ل«حزب العمال الكردستاني»، وبالتالي سوف تعاني تركيا في الجبهة الداخلية حيث «حزب العمال الكردستاني»، وفي جبهتها الجنوبية حيث قوات الحماية الكردية. وإذا كانت تركيا في الداخل تمتلك حرية الحركة، لكنها ليست كذلك خارج حدودها.

وفي ظل الخلاف الشديد بين أنقرة وواشنطن، فإن مثل هذه الكيانية الكردية تحت الرعاية الأمريكية في شمال سوريا تمثل عنصر ضغط إضافياً من واشنطن على تركيا.

رابعاً، المنطقة الشمالية في سوريا يمكن أن تشكل نقطة انطلاق أمريكية، أولاً لتقسيم سوريا، وثانياً لتقسيم المنطقة، وفي هذا السياق فإن تركيا هي الأكثر تعرضاً لتهديد التقسيم في ظل عدم حل المسألة الكردية في تركيا حتى الآن، والتي لا يبدو لها حل في الأفق القريب، ولا البعيد.

من هنا كانت ردة الفعل التركية شديدة على لسان أردوجان الذي تعجب كيف يمكن لحليف في حلف شمال الأطلسي أن يحمي حدود دولة عضو فيه هي تركيا بجماعات «إرهابية»، ويقصد بذلك القوات الكردية، ومن معها. معركة عفرين تأتي في هذا الإطار كخطوة تركية مضادة على التحركات الأمريكية في منطقة شمال شرق الفرات.

تبقى هنا الإشارة إلى أن الحرب العسكرية في سوريا لم تنته بعد كلية، وإن كانت تبلورت ملامحها الميدانية إلى حد كبير. لكن يبدو أن الصراع على رسم الحدود النهائية لمناطق النفوذ والتأثير دخل مرحلته الحاسمة وهو ما يجعل هذه المرحلة تتسم بعنف وحدّة غير مسبوقين، بدءاً من إدلب وصولاً إلى عفرين، ولا أحد يعرف أين يمر، وأين سينتهي. فهذه المنطقة التي لم تشبع من العنف، والدم، والتآمر، تحتاج إلى الكثير من الجهد لتعود موحدة، وحرة، وقابلة لمواجهة التحديات الجديدة.

“الخليج”