aren

اليأس الفرنسي من لبنان \\ كتابة : د.خليل حسين
الثلاثاء - 23 - يونيو - 2020

لبنان

ثمة يأس فرنسي واضح من مجمل أوضاع لبنان، وسط غياب أي مؤشر لتبدل الأوضاع، ما سيسهم بتعقيد قدرة فرنسا على مساعدة لبنان.

ثمة شائعة متعارف عليها في الحياة السياسية اللبنانية مفادها، أن مهما وصلت ظروف الضغط في لبنان أو عليه، هناك «الأم الحنون» فرنسا التي ستسعى بكل ثقلها لمساعدة لبنان على تخطي أزماته التي لا تنتهي.

أن التدقيق في الموقف الفرنسي سابقاً، يثبت هذه الفرضية، لكن السؤال الذي يطرح نفسه حالياً، هل باريس لا زالت لديها الأسباب الفعلية والعملية للوقوف إلى جانب لبنان؟ وهل لديها القدرة على فعل ذلك؟ في المبدأ ثمة ثابتة أن فرنسا لم تتخل عن دورها التقليدي في لبنان، بصرف النظر عن حجم المواجهات الدولية وسياساتها، وبخاصة سياسات الولايات المتحدة في الشرق الأوسط وتحديداً اللبنانية منها.

إلا أن ثمة ظروفاً مغايرة تشي بتحوّل باريس عن مواقفها التقليدية تجاه لبنان، بالنظر للعديد من الاعتبارات الفرنسية الخاصة والدولية، وبصرف النظر عن حجم هذا التحوّل، هناك من يقول إن السياسات الفرنسية تجاه لبنان لن تتسبب بتركه وحيداً يواجه قدره في ظل أسوأ الأوضاع التي يمر بها في تاريخه السياسي المعاصر.

لدى فرنسا اليوم اهتمامات خاصة تتعلق بأوضاعها الداخلية والخارجية، في الداخل ثمة تداعيات وباء كورونا على الاقتصاد، وعدم قدرة فرنسا حالياً التفلت من النتائج الاجتماعية والسياسية للوضع الاقتصادي، ودليل ذلك تسارع وتيرة الضغط بعد موجة الاحتجاجات التي شهدتها مؤخراً، وهي مرشحة للتصاعد وسط متطلبات كثيرة عليها إنجازها في هذه المرحلة بالذات، علاوة على ذلك فهناك مؤشرات واضحة وعلنية على أولويات تعطيها السياسة الخارجية الفرنسية للقارة الإفريقية، وبخاصة شماله لجهة المغرب العربي، إضافة إلى الوضع الليبي والدخول التركي لتسعير الوضع هناك، وما سيستتبع ذلك من تقاطع وتشابك المواقف مع واشنطن من مجمل الأوضاع الإفريقية.

ورغم كل تلك الصور الضاغطة على محددات السياسة الخارجية الفرنسية الدولية ومنها اللبنانية، تبقى ثمة ثوابت من الصعب على أي توجه فرنسي تخطيه تجاه لبنان، مفاده التزام باريس بسياسات ومواقف لا تتجاوزها في أسوأ الظروف، لكن المشكلة تكمن في الأساس في الوضع اللبناني الذي يقرأ بالميؤوس منه لجهة عدم الجدية في إجراء تغييرات وإصلاحات جذرية، ليصبح المجال ممكناً لمساعدته في المحافل الدولية، وبخاصة الاقتصادية والمالية منها.

ففرنسا التي دعمت لبنان بشكل مطلق عبر مؤتمرات باريس الثلاثة السابقة لإعادة تعويمه مالياً واقتصادياً تواجه ضغوطاً كبيرة حالياً من خلال مسار صندوق النقد الدولي الذي تُتابع مفاوضاته حالياً مع لبنان، وهي تواجه بمواقف حاسمة من فاعلين آخرين في هذا الموضوع كالولايات المتحدة التي لها القرار الفصل في ذلك، علاوة على ذلك فهناك «قانون قيصر» الذي بدأ العمل به، والذي سيصيب لبنان مباشرة إلى جانب سوريا المستهدفة فيه بشكل أساسي.

ثمة سباق محموم مع الزمن بين لبنان ومجموعة الدول المهتمة بأوضاعه المزرية حالياً. في لبنان انهيار اقتصادي ومالي لا مفر منه، وسط مفاوضات شاقة وغير معروفة النتائج مع صندوق النقد الدولي الذي يطالب بسلة إصلاحات وتوجهات هي ضرورية بالمناسبة، وباريس نفسها طالبت بها أيضاً مع حكومات لبنان التي تعاقبت على السلطة سابقاً، لكن دون جدوى، الأمر الذي أحرج ويحرج فرنسا مع الفاعلين الآخرين وبخاصة واشنطن.

في المحصلة ثمة يأس فرنسي واضح من مجمل أوضاع لبنان، وسط غياب أي مؤشر لتبدل الأوضاع، ما سيسهم بتعقيد قدرة فرنسا على مساعدة لبنان بالكيفية التي ربما تريدها أو القادرة عليها. وعلى أي حال من الأحوال، مهما بلغ الغرام الفرنسي بلبنان لن تتمكن باريس من تجاوز بعض المتطلبات الرئيسة ومنها الإصلاحات المنشودة التي باتت جزءاً من مطالب دولية للمساعدة قبل أن تكون مطالب داخلية وسبباً رئيساً من أسباب الحراك القائم حالياً.

لقد تغيرت الظروف الدولية المتعلقة بالسياسات الخارجية الفرنسية، ومن بينها المتعلقة بملعبها الخاص ومنه لبنان، إذ لم تعد باريس قادرة على التقرير منفردة فيما يتعلق بلبنان، وهي مجبرة لسماع والأخذ برأي إن لم نقل بشروط آخرين، وفي طليعتهم الولايات المتحدة، الأمر الذي تسبب بيأس فرنسي واضح تجلى بمواقف الرئيس الفرنسي ماكرون مؤخراً، وهو أمر لا يُبشر بالخير بما يتعلق بوضع لبنان وسلسلة الأزمات التي يتخبط بها.

“الخليج”الاماراتية