aren

” الهيبة ” في الدراما حضور أم انزلاق ؟ \\ تكتبها : د.عفاف الشب
السبت - 17 - يونيو - 2017

مسلسل “الهيبة ” يحتضن مشاهد قوية من حكايات السطوة والتسلط وحمل السلاح … وطرحها المباشر والعلني كان بمثابة المفاجأة للجمهور الرمضاني المترصد للشاشات العربية

” الهيبة ، هي تلك التي منحتها منى واصف بشخصيتها وقوة حضورها للعمل … والتي مكنت المسلسل من أن يتحصن بأدائها من خلال حرص ( أم جبل ) الحفاظ على الجبلين (الابن والحفيد )

قصة العمل خليط من حياة ” نوح زعيتر ” ابن بلدة الكنيسة البقاعية اللبنانية … وشخصية بطل مسلسل (عشق والجزاء ) الممثل التركي الشهير مراد يلدريم… 

نادين نجيم (عليا ) كانت غير حاضرة في أدائها الذي تميز بالبرودة … حيث مساحات الحب في (الهيبة ) مغايرة عن سواها من الاعمال التي جمعتها سابقا ب (تيم حسن )

أعمال المخرج السوري سامر برقاوي استمدت شهرتها من قوة نجومها ومن جرأة نصوصها المقتبسة من أعمال عالمية … والسؤال لماذا على شركة منتجة أن تتولى  مهمة التأكيد على النزاع المسلح وإخراج قصص المافيات الى النور … ثم عرضها على الشاشات ؟!!

تكتبها : د . عفاف الشب

بعد مسلسلي ” نص يوم … وتشيللو” ، يأتي مسلسل ” الهيبة ” في سلسلة أعمال المخرج السوري (سامر برقاوي ) مع الثنائي الشهير الفنان السوري ” تيم حسن ” و اللبنانية ” نادين نجيم ” التي قامت حتى الآن بعدة بطولات مميزة في تاريخ دراما الاقتباس .

YYYY-YYYYYY-17883437.inarticleLarge

سامر برقاوي

أولها ، كانت مع ” عابد فهد ” و” يوسف الخال” في مسلسل درامي ، امتد على ثلاثين حلقة مأخوذ عن فيلم أجنبي للممثل الأمريكي ريتشارد ( جير ) ، والأخير منهم كان الهيبة مع تيم حسن والنجمة السورية الكبيرة ” منى واصف “.

فماذا يقال في مسلسل الهيبة ؟

بصراحة معهودة مني ، أقول : ان مسلسل (الهيبة ) حصد شهرة ، تناوبت بين من وجده عملا جديدا متفردا عن باقي الأعمال ، فيه أناقة في الاخراج ، وحضور للشخصيات التي حظيت  ببطولته ، وبين من رأى أنه ليس من داع لهكذا أعمال ، وسأتحدث عن ذلك بالتفصيل ، رغم تضارب أخبار المواقع ، عن حقيقة مسلسل الهيبة ، بشكل لافت للنظر .

_315x420_dc127efad23bf81e5f6b5d9d87413533e568712ce008235a24560e1d8400c922

لكن ، ما أثار انتباهي ، هو هل كانت قصة الهيبة حقيقة مستوحاة من واقع مماثل ، أم أنها كانت مأحوذة – كما ذكرت بعض المواقع – عن عمل تركي هو (عشق وجزاء ) للممثل التركي النجم (مراد يلدريم ) ؟ وهنا ، لا بد من التأكيد أن أعمال المخرج السوري سامر برقاوي ،استمدت شهرتها من قوة نجومها ومن جرأة نصوصها، التي أخذت عن نسخ عالمية .

علي يلدريم

الممثل التركي (علي يلدريم )

بدءا من مسلسل ( لو ) ، وحتى مسلسل الهيبة الذي يقال أنه مأخوذ عن قصة واقعية ، تقارب قصة شاب لبناني يعمل في زراعة المخدرات ، وبيعها ويجني مايقارب ال(مليون ونصف) من الدولارات سنويا ك(أرباح ) من تلك التجارة ، المرفوضة وجدانيا وقانونيا ، لكن مع ذلك لها سوقها وأربابها ، والآن أصبح لها ، منتجو دراما ، يروجون لها … فماذا سنقول بعد ذلك ؟!!!

ومما يذكرعن هذا الشاب اللبناني ، أنه يعيش في امبراطوريته الخاصة المثيرة للدهشة في قرية صغيرة ، يتصرف كما يشاء مع حراس شخصيين مزودين بالأسلحة ، واسطول من السيارات الفاخرة المفيمة ، من نوع (هامر) ..

والحقيقة هنا ضائعة ، هي إن مثل ذاك الشاب يمارس نشاطاته علانية ( بشكل ما ) ، و رغم ذلك لم تتمكن السلطات اللبنانية من إلقاء القبض عليه ولا حتى الانتربول الدولي ، ليبقى السؤال الكبير من قبل البعض ، هو هل من المعقول ، أن قوى الأمن لم تستطع إلقاء القبض عليه ، أم أن خلف الأكمة ما خلفها ؟!

مهما كان الأمر ، فان البعض يتحدث عنه قائلا : انه يقوم فعليا بتقديم مساعدات بسيطة لأهل قريته الصغيرة ، حيث يؤمن لهم حاجاتهم الأساسية وخاصة من الماء والكهرباء ، معلقا على ذلك بفخر : ” إن كانت مساعدة الناس جريمة ، فأنا مجرم ” …!!!

والمعروف أن مقدم برنامج (بلا تشفير ) تمام بليق ، استضاف ذلك الشاب ، وقدم له أسئلة وفيرة خطيرة ومحرجة – كما قيل – لكن دونما فائدة ، كل تلك المقولات ، التي تتحدث عن تاجر المخدرات اللبناني لا تعنينا ، لأننا نكتب الآن ، عن الدراما .

nou7-z3ayter1

نوح زعيتر – الشخصية التي اقتبس منها الكاتب دور “جبل”

لكن يبدو ان الكثيرين يخلطون بين مسلسل (الهيبة ) ، و بين سيرة ذاك الشاب ، وهناك من يحمل على من ينتقده ، وهناك من يرى في العمل ، إعلانا لفتح نافذة الدراما ، بشكل سافر على نوعية جديدة من الأعمال ، التي لا تشبه غيرها ، وتسلط الضوء على الجوانب الخفية من “المافيات” ، التي يعرفها الغرب وأمريكا ، ولهم فيها تاريخ وجولات وسينما ، وأفلام

 من هنا ، يمكننا التأكيد على أن مسلسل الهيبة ، يحتضن مشاهد قوية من حكايات السطوة والتسلط وحمل السلاح ، ليكون طرحها المباشر والعلني ، بمثابة المفاجأة للجمهور الرمضاني ، المترصد للشاشات العربية .

لكن المذهل في الأمر ، أن العمل ينهض على الأراضي اللبنانية ، ومعظم أبطاله من لبنان ، باسثناء الممثل السوري تيم حسن ، الذي حمل اسم ( جبل ) ، وتكلم اللهجة السورية ، مخالفا السمة العامة للمسلسل .

وعندما سئل عن ذلك ، رد قائلا : ” اني أحب لهجة الجبل السورية ” .. ولا أدري إن كان ذلك يترجم الحقيقة ، أم يلقي بالعمل على أكتاف السوريين واللبنانين معا ، ليتفرع هنا سؤال هام ، وهو : ما الغاية من إنتاج هكذا أعمال في منطقة تضج بالفوضى وتشتعل بالاقتتال ؟ ولماذا ؟

وهنا ، سأورد مقولة لأحد الإعلاميين ، يستنكر فيها توقيت إنتاج هذا العمل ، قائلا :” إن كان باب الحارة يشوه تاريخ الشام ، فان مسلسل الهيبة يشجع على التسلح والخروج عن القوانين”

أما الحقيقة ، التي لا يمكن العبور من فوقها ، فان (الهيبة ) هي تلك التي منحتها الفنانة السورية الكبيرة منى واصف ، بشخصيتها وقوة حضورها ، والتي مكنت المسلسل من أن يتحصن بأدائها  من خلال حرصها على الحفاظ على الجبلين (الابن والحفيد ) .

5484031-405136686

منى واصف في دور (أم جبل )

لنقول : إنها ، هي من منحت ” الهيبة ” لمسلسل الهيبة ، وهنا يكمن سر الاستعانة بالنجوم السوريين في الدراما اللبنانية ، التي بدأت تباشر وعيها ، وتمارس دورها ، الذي كان غائبا قبيل دخول أبطال الدراما السورية الى الأعمال اللبنانية .

في حين كانت نادين (نجيم) في أدائها غير حاضرة كعادتها ، حتى اتهمها البعض ، ببرودة الأداء خلافا لماعرف عنها سابقا ، وربما لاختلاف طبيعة دورها في الهيبة ، عن أدوارها السابقة مع تيم حسن أو ( جبل ) بطل العمل .

وهنا ، لابد من الاستعانة بفقرة اسقاطات ، كما اعتدنا للحديث عن أعمال ، تناولت مواضيع المافيا والسطوة المستندة على السلاح .

مثل فيلم ” الإمبراطورة ” للفنانة المصرية ( نادية الجندي ) التي عاشت الفقر واغتصبت ، فصممت على الانتقام ، وعملت في تجارة المخدرات لتشكل امبراطورية واسعة ، تنتهي قصتها مع الضابط ، الذي كان يلاحقها بتسميمها له ، وفيلم ” مزاج ” للفنانة ( فيفي عبدو ) مع ( مديحة كامل ) التي شكلت لها امبراطورية لبيع المخدرات داخل سجن النساء ، يحمل استعراضا لأشكال الجريمة عند النساء…

127111

ناديا الجندي

hqdefault

عن مسلسل (الهيبة) ، والضجة التي أحدثها ، لا بد من الاطلالة على كاتب العمل (هوزان عكو) للتوضيح ، والمقاربة قليلا …

يقول هزوان عكو في احدى المقابلات ، ردا على ما قيل عن مسلسل الهيبة – كما ورد على أحد المواقع الفنية : ” إن العمل بالمجمل افتراضي لا يتكىء على قصة مماثلة ، حيث تدو أحداثه حول فتاة ، كانت تعيش في كندا ، وبعد أن توفي زوجها الذي كان شقيق (جبل) بطل العمل ، عادت الى قرية زوجها مع ابنها ، الذي اسمه جبل على اسم عمه “.

هوزان

كاتب مسلسل (الهيبة ) هزوان عكو

ولقد وضع (عكو) تلك القرية على الحدود السورية – اللبنانية ، معللا سبب تكلم جبل أي (تيم) اللهجة السورية ، بأن والدة جبل (تؤدي شخصيتها بالمسلسل منى واصف ) ، هي شقيقة ضابط سوري ، تزوجها رجل لبناني في قرية عكو (الافتراضية ) ، واستمرت تتحدث اللهجة السورية ،  وكثيرا ما قيل عن تيم (جبل ) ، الذي أخذ اللهجة عن أمه السورية (منى واصف) دون التأثر بالوسط اللبناني ، الذي يعيشه ، بأنه (ابن ) الشامية..

وبرأي الشخصي ، فان تكلم (جبل ) اللهجة السورية ، كان متعمدا ، وانتقاء القرية الافتراضية وفق مقولة الكاتب على الحدود السورية اللبنانية ، أيضا كان متعمدا ، للاشارة الى طبيعة الظروف المشتركة ، التي يمر بها البلدان ( سورية ولبنان ) .

لكن المحاولة لم تكن موفقة تحت ظل الأوضاع البائسة والدموية السائدة في المنطقة ، وليست مناسبة ، إن نظرنا لبعض الأفكار السلبية ، التي تبناها البعض ، وتزامنت منذ قبيل 40 عاما مع وجود الجيش السوري في لبنان للوقوف في وجه الاجتياح الاسرائيلي .

اضافة الى ذلك ، فان (عليا ) نادين نجيم ، جسدت بشكل شاعري غريب ، العلاقة بين اثنين بشكل ربما غير موفق تماما في (الهيبة) ، حيث مساحات الحب كانت هنا مغايرة ، عن تلك التي عاشتها  الممثلة نجيم (ليلى ) في علاقة غير شرعية مع (جاد) جسد شخصيته الممثل اللبناني (يوسف الخال) في مسلسل (لو) ، بعيدا عن عيون الزوج الثري (غيث ) الذي جسد شخصيته الممثل السوري عابد فهد ، حيث أدرك هذا الأخير الأمر في النهاية ، بينما (ليلى ) تعاني سكرات الموت بسبب إصابتها بمرض السرطان ، ليقدم (غيث ) في اللحظات الأخيرة من العمل ، على قتل العاشق (جاد) ..

1_773534_215646_large

الممثل عابد فهد

بينما في مسلسل (تشيللو ) ، تبنت طرح فكرة جريئة جدا ، وهي قبول أن تؤجر نفسها بشكل غير معقول ل(تيمور) تيم حسن ، وذلك مدة 24 ساعة ، مقابل مبلغ مغر من المال .

ليحمل عملها الثالث أيضا فكرة سيطرة المال على النوازع الإنسانية ، حين قبلت الزواج من رجل عصابات كبير، لكنه شقيق زوجها المتوفي ووالد (ابنها ) ، حيث لا تريد (عليا ) التخلي عنه.

فتتقارب مع تحديات جديدة ، لا خيانة لزوجها فيها بشكل رومانسي حالم كما في حالتها بالعملين السابقين ، لكنها لا تتورع مهما كان ، عن القبول بالزواج من رجل العصابات ، تاجر السلاح الثري ( تيم حسن).

 أما (جبل ) ، فهو رجل له نفوذ وسطوة ، وله حراس أقوياء يفدونه بالروح ، في قصة قد لا نحتاجها في هذا الزمن ، نظرا لتشابك الأحداث وخروج المنطقة حاليا ، عن القدرة على التحكم بمجريات الأحداث لتضبط الأمور قانونيا ، ولتبقى للهيمنة سلطان ، لاهيبة فيها…

635218-تيم-حسن-في-دور-جديد-ومميز-في-مسلسل-اله-950x0-1

تيم حسن في دور (جبل )

وبواقعية أسأل ، وربما كثيرون مثلي ، يتساءلون : لماذا هذا العمل ينتج حاليا في ظروف ، لم تشهدها منطقتنا منذ مئات السنوات ، بمثل هذه الكثافة من التوحش ، وهذا الحجم من التخلي عن المظاهر الإنسانية ، خاصة وأن المشهد العام لأحداث المنطقة ، يصر على إظهار النزاع الغارق في العداء النازف بالدماء ، الزاحف كسيول رعناء ، على أنه نزاع محلي .

ثم نتساءل هنا ، لماذا على شركة منتجة أن تتولى مهمة التأكيد على النزاع المسلح ، وإخراج قصص المافيات الى النور ، وعرضها على الشاشات ؟ والتأكيد من قبل البعض ، بأن النقد الصارم لهذا العمل ، يشكل حاجزا في انتاج أعمال ، يجب أن تتجاوز الخط الأحمر !!.

وأسأل ، لماذا علينا تجاوز الخط الأحمر دراميا ، وقد تجاوز بعضنا كل الخطوط الحمر على أرض الواقع !!! ، أهي محاولة لتحميل الواقع المؤلم على أكتاف دراما تنزف دما ، لتشوه وجه المجتمع بشروخات مرفوضة غير حقيقية ، وترسخ فكرة الخلافات الطائفية والعرقية والفكرية ، دون أن ترتقي بالمجتمع ، وان حملت بعض الحقائق ؟!!

ثانيا ، أسأل : هل يجوز لنا الاعتماد على الاقتباس والانسياب داخل أوساط غريبة عن واقعنا ، الذي نلتمس له الشفاء ، وان تكون لنا ثقافاتنا الخاصة وفنوننا المبدعة ؟ وهل على الدراما ، أن تمسك قصة شخصية نالت الإعجاب ، لتفرشها دراميا على عشرين عاما قادما وأكثر ؟!!

فان نجح تيم حسن ونادين نجيم في التلاعب بقلوب بعض المراهقين ، فلا يعني أن يضع الكبار نظارات سوداء ، تحجب رؤية الاختراقات ، التي لن اسميها ” حبا ” مهما كان .. ، بل هي تقليد لغرب لا يشبهنا ، ولن نشبهه في مجال الأعراف والتقاليد..

ولن أعترف بأنه تطور ، و سأصرخ بصوت عال : افعلوا ماشئتم وجربوه على أنفسكم ، فان راق لكم ، فاعتمدوه..

الحكاية الدرامية المستندة على تقليد لا يجارينا ، وعلى صور من مجتمعنا ، نتناولها دراميا ببذخ وثراء ودعايات لا تتفق مع آراء الكثير ، هي بمثابة إشعال فتيل الاحتراق في صناعة هامة ، لها قيمها المادية والفنية وانعكاساتها الاجتماعية ، لا بأس إن طورناها ومضينا بها الى مساحات أكثر انفتاحا على النور.

أما أن نحلل الممنوع ، لنلغي إنسانية الإنسان ، وندمر قيمنا ونشوه وجهها الجميل ، فهذا غير مقبول كما أن السير بالدراما وسط حقول ألغام التجارب والغايات ، أمر غير معقول ، وابتعاد السلطات بالمجمل عن التصدي والمجابهة لمثل تلك الحالات – قبل استفحالها – أمر غير واقعي ، ولا منطقي في حين أن مجتمعنا محاصر في أمانه وسلامه ، ووجوده.

نحن لسنا مكرهون على قبول تلك الأعمال ، التي تروج لأفكار الأفلام الغربية في مرحلة تمهيدية لتطبيقها على ارض الواقع ، والتأكيد على ما أقول ، هو محقق في رأي المشاهدين ، ممن فقدوا الأبناء والمأوى ، بعيدا عمن رأى في مسلسل ” الهيبة ” ، بعضا من حلم ، للخروج من مآزق الجوع والضياع.

مستشارة عليا في شؤون الدراما