aren

الهوية أمامنا لا وراءنا \\ بقلم : د.علي حرب
الإثنين - 7 - يونيو - 2021

الوجود اليومي

          لن أبداً بالكلام على هويتي من الكليات والمجردات، بل مما هو معاش ومحسوس، مما أنخرط فيه في وجودي اليومي، المتعلق بإقامتي وعملي ومهنتي، بعيداً عن المُسبقات الأصولية والتصنيفات الايديولوجية.

         ولذا أُعّرف بنفسي، كمواطن لبناني عربي. لبناني، لأن لبنان هو بلدي، فيه نشأت وترعرعت، وفيه أُقيم وأعمل. عربي، لأني أنطق بالعربية وأكتب بها، ولأن لبنان هو جزء من المجموعة العربية، على أكثر من صعيد ثقافي وسياسي واستراتيجي. ولا أنسى حرفتي ككاتب، ومهنتي كمشتغل في حقل معرفي هو الفلسفة، فضلاً عن مهمتي كمثقف يُعنى بالشأن العام الوطني والعالمي، بقدر ما تشغله القضايا التي تستأثر باهتمام الانسان المعاصر، بصرف النظر عن خصوصيته الثقافية او هويته القومية.

بهذا المعنى، فأنا أستبعد عمداً، من تعريفي لهويتي، الصفة الاسلامية، خاصة وأنها تُترجم اليوم الى استراتيجيات قاتلة، كما تشهد الحروب الأهلية التي تمزق غير بلد عربي. على أن السبب الأهم لاستبعاد هذه الصفة، هو أنني منذ شقّيت عصا الطاعة، وبدأت أذهب مذهب الفلاسفة والزنادقة، قد انكسرت زجاجة إيماني، وأقلعت عن ممارسة الفرائض والطقوس التي تربيت عليها منذ صغري في بيئتي الثقافية وأسرتي المحافظة.

       ولذا بات من الزيف ان أعرف بنفسي باستخدام العنوان الديني. فالإسلام لم يعد هويتي، بل طيّة من طيات فكري أو طبقة من طبقات وعيي لا أكثر.  ومع ذلك ، فأنا أحسب نفسي أكثر إيماناً من حماة الايمان الديني. لأني أقبلهم جميعاً بوصعهم مؤمنين، كل على طريقته، وبحسب فهمه، يهوداً ومسيحيين ومسلمين، أو بوذيين، فيما هم يتعاملون مع بعضهم البعض، بمنطق الاقصاء والنفي المتبادل، الرمزي أو الجسدي. ومسوغ موقفي هو أنني، وخلافاً لادعاء أصحاب العقائد والمذاهب، أعتبر أنه من المستحيل القبض على الحقيقة، التي هي واسعة وسع السموات والأرض.

       بهذا المعنى، كل فريق ديني إنما يصنع حقيقته، بإقامة علاقة مع الحقيقة من خلال كتابه ورواياته، او تفاسيره وتأويلاته، فضلاً عن ترجماته للحقيقة الايمانية واستثمارها على أرض الواقع البشري والاجتماعي. وهكذا فالحقيقة هي مجرد قراءة للواقع، ولكل قراءة سياستها أو استراتيجيتها. كل قراءة هي رهان على الفهم والتشخيص أو على التقدير والتدبير، أي مجرد وجهة نظر بين وجهات نظر عديدة.

      انطلاقاً من هذا الفهم للحقيقة، ومن ممارستي لهويتي الشخصية، أحاول تقديم مقاربة نقدية لمسألة الهوية عامة، بفتح مفهوم الحقيقة على امكاناته، عبر استخدام لغة مفهومية مختلفة، هذه أبرز محاورها ووجوهها.

1-الازدواجية والمفارقة

التحرر من عقلية المماهاة مع الذات. فلا كائن يتطابق مع معناه، ولا هوية تبقى هي هي، ولا ذات تتساوى مع ذاتها، إلا على سبيل الجمود والانحطاط أو الفقر والنقص أو الفراغ والخواء. هذا عطب أساسي من أعطاب الذات، أساسه جهل المرء بذاته وبغيره. ذلك أن المماهاة التامة مع الذات تشهد على عمى صاحبها بقدر ما  هي تبسيط وتهويم، تماماً كما أن المغايرة الكلية مع الآخر تشهد على سذاجة صاحبها بقدر ما هي تهوين وتهويل.

        ثمة خيار آخر يقوم على التعامل مع الهوية بمفردات التنوع والتعدد أو الفرق والاختلاف أو الالتباس والإشكال أو الازدواجية والمفارقة.

       بهذا المعنى فهويتي هي ما تتسم به كينونتي من التعارض والانشقاق أو الانشطار والتمزق. إنها هذه المسافة النقدية بيني وبين ذاتي، بين ذاكرتي وراهني، بين معاشي ومطلبي، بين ما أهواه وما أحصل عليه، بينما ما أحبه وما أكرهه. باختصار بين واقعي ومخيالي. والمخيلة هي بالمعنى الايجابي اجتراح للإمكان يتيح، عبر خرق الشروط وتغيير الظروف، تركيب الحلول وتأليف المتعارضات، أو تفكيك العوائق وإيجاد المخارج.

2-المماهاة والمغايرة

كذلك لا هوية تقيم في ذاتها أو تكتفي بذاتها. لأن الذات هي رابطة ونسبة، ولأن الهوية هي اضافة وتعلق. فكل واحد منا يتأثر بالغير كما يؤثر فيه. نحن في النهاية صنيعة من نقيم علاقة معه بصورة من الصور. ولذا فالمعارض أو المنافس أو الضد، أو من نحسبه كذلك، قد يكون ما كناه في طور من أطوارنا وتناسيناه، وقد يكون وجهنا الاخر الخفي وغير المرئي، وقد يكون ما نطمح اليه مستقبلاً ونعجز أن نكونه. بهذا المعنى فهوية المرء هي صيرورتها الدائمة، بقدر ما هي اختلافاته ونِسَبه وشبكة تبادلاته أو مختبر تفاعلاته مع العالم والمحيط. ولذا فهي بنية يخترقها تعدد الوجوه والابعاد أو تنوع التجارب والاطوار أو تعارض الميول والاهواء.

وبحسب هذا الفهم، فهوية المرء هي ما ينفرد به عن سواه، على مستوى الوعي والفكر، بقدر ما هي اختلافه عن غيره على مستوى الجسم والجسد، كاختلاف بصمات الاصابع، مثالاً، بين واحد وآخر. والرهان هو أن يعرف الواحد كيف يمارس فرادته ويدير اختلافه، على نحو عقلاني، تداولي، مدني، لكي يحسن التواصل مع غيره.

3-العلاقات المتحولة

أن لا نقع في التبسيط والاختزال في مقاربة الظواهر المعقدة والملتبسة، ومثالها علاقة الواحد بتراثه وتقاليده. فلكل ذاكرته وتراثه، ولكل أسماؤه وثوابته. ولذا ليست المسألة كما تخيّلها الحداثيون معارضة الثابت بالمتحول أو محو الثابت بالمتغير والطارئ ، وإنما هي التعامل مع الثوابت بطريقة مختلفة، بحيث نقيم معها علاقة متغيرة، عبر استعادتها والاشتغال عليها بالتحويل الخلاق والتجاوز البناء. بذلك ننتقل مقولة الماهية الثابتة الى  فلسفة الصيرورة، ومن منطق المطابقة الى الى منطق العلاقات المتحولة.

بهذا المعنى لا أحد ينسلخ من تراثه، الذي هو من وقائع حياته ومعطيات وجوده. فالمعطى هو واقعة لا تُنفى، بل تُقرأ. قد تُقرأ قراءة مسبقة، ميتة، فقيرة أو عقيمة، كاريكاتورية أو إرهابية. وقد تُقرأ قراءة حية وخصبة، مثمرة وبناءة، تحيلها الى عملة راهنة. وهذا هو التحدي أمام الهويات: أن نعرف كيف نتغير ونتجدد، كي لا تنتقم منا الوقائع أو تهمّشنا المتغيرات.

4-البرنامج والمشروع

أن نفيق من سباتنا الروحاني، بخفض السقف الرمزي من المتعاليات والمقدسات. فمن يقدس شيئاً يقع ضحيته أو ينتهكه على أرض الواقع البشري المفخخ بالرغبات المخاتلة والنوايا العدوانية. الأمر الذي يقتضي اعادة النظر في ثنائية الروح والجسد. فلا ذات تدرك ذاتها من دون وسائط او أدوات، كما لا ذات تتطابق مع ذاتها. في النهاية نحن نقيم في أجسادنا، بها نحيا ونتحرك، وبها نحس ونرغب. بها نفكر ونتخيل، وبها ننطق ونتواصل…

ولكن ذلك لا يعني أن الوعي هو مجرد وهم، وأن المرء هو حصيلة حتمياته البيولوجية وآلياته الطبيعية. فالكائن البشري هو أكثر من ذلك. إنه هذه الازدواجية بينه وبين نفسه، كما تتجلى في النية والقصد والارتداد النقدي على الذات..

ولذا لا يمكن اختزال الانسان الى حاسوب نموذجه الذكاء الاصطناعي.  فالمرء، بوصفه ذاتاً راغبة أو مفكرة، ليس مجرد برنامج، وإنما هو مشروع مفتوح على عالم الامكان، وعلى النحو الذي يتيح لصاحبه كسر منطق الحتميات الصارمة والانساق المغلقة أو الحقائق المطلقة، بالمساءلة والمراجعة، على سبيل التأمل والتبصر، أو الادارة والتدبّر، لكي يحسن مواجهة التحديات والمفاجآت، ويتمكن من تحسين شروط الوجود ومستوى الحياة. وهذا هو الرهان.

5-الاسم والمسمى

إذا كانت الهوية تندرج تحت اسم أو تحمل عنواناً يشير الى أصل أو معتقد أو مذهب، فإنها ليست أحادية المعنى والدلالة، كما يتعاطى معها أصحاب الفكر الاحادي والتفسير الحرفي أو العقل الدغمائي. فهؤلاء يحولون هوياتهم الى محميات عنصرية، بالتماهي حتى الذوبان مع أسمائهم وأصولهم. إنهم يتخلون عما يتميز به الانسان، أعني حريته واستقلاليته في التفكير، لكي يمسوا مجرد تبع أو خدم أو أدوات، يمارسون طقوس العبادة والتقديس تجاه شخص أو كتاب، طيف أو رمز، زعيم أو إمام، حجر أو مقام…

مثل هذا التعاطي يصنع هوية فقيرة ذات بُعد واحد، ويدمر جسور التواصل مع الاخر، بقدر ما يحول الأسماء والعناوين الى شعارات خاوية أو الى كليشيهات خادعة أو الى متاريس عقائدية ، أو يحولها الى أقنعة إيديولوجية تستخدم عادةً لتبرير العجز والاخفاق أو للتستّر على المساوئ والمفاسد.

       زد على ذلك أن الفكر الاحادي قد يرتد ضد أصحابه، بقدر ما يفخّخ العلاقات داخل الجماعة الواحدة، وكما تشهد الصراعات والحروب والانشقاقات في قلب الهويات الثقافية الكبرى، سواء في معسكر الاديان بأنظمتها اللاهوتية وعقلياتها الأصولية، أو على جبهة الحداثة بتركيباتها الايديولوجية وأنظمتها الشمولية.

      والخروج من المـأزق يقتضي كسر أُحادية المعنى والرأي أو النهج والخط، بالتعامل مع الاسماء والمصطلحات والعناوين بوصفها عوالم دلالية وبؤراً رمزية تختزن إمكاناتها وتنفتح على احتمالاتها. مثل هذا الفهم الواسع والمركب، هو الذي يخلق الامكان للانفتاح على تعدد الآراء، وللاعتراف بالآخر، وعلى النحو الذي يتيح للوحد العمل على اختلافه وخصوصيته الثقافية، لكي يمارس هويته بصورة عابرة، وذلك بتشكيل ما يقتضيه التواصل والتبادل بين الناس، من المساحات المشتركة واللغات الجامعة، على اختلاف هوياتهم وانتماءاتهم.

6-السوية المزدوجة

التوقف عن التعامل مع الهوية بعقلية مثالية تفصل، على نحو حاسم ونهائي، بين  خير وشر او بين صلاح وفساد أو بين حق وباطل. فنحن لسنا ملائكة ولا أبالسة، وإنما كائنات ذات سوية مزدوجة وملتبسة، ملغمة ومتوترة، تتنازعها الميول والأهواء كما تحركها الأطماع والأحقاد، وتخترقها الشكوك والوساوس كما تنعشها الآمال والأحلام. فلكل حسناته وسيئاته، ولكل فضائله وفضائحه. لكل رشده وحججه، كما لكل حمقه  وطيشه  أو أساطيره وخرافاته.

        الأمر الذي يقتضي كسر الثنائيات الخادعة والقوقعات الخانقة التي تحشرنا بين النقيض والنقيض لنختار أحدها بوصفها الحل الوحيد، كما يقول أصحاب الشعارات الاصولية: لا حل الا بالاشتراكية أو بالاسلام أو بالوحدة… فلا وجود لحلول قصوى أو نهائية أو لأزمنة فردوسية، لأنه لا أحد يقبض على الحقيقة، التي هي ما نقدر على خلقه وتغيره.

مثل هذا الفهم، الحيوي والدنيوي، يفتح المجال للتعامل مع الهوية بلغة التسويات والمعادلات أو التوسطات والتوازنات، بقدر ما يحررنا من التهويمات الطوباوية التي ترتد على أصحابها فشلاً أو عزلةً أو تطرفاً وعنفاً.

   وهو الى ذلك يجعلنا نتعاطى مع ذواتنا بنهج المراجعة والمحاسبة، بحيث لا نثق ثقة مفرطة لا بأنفسنا ولا بغيرنا. فلا أحد فوق رأسه خيمة تجعله يدعي أو يؤمن أو يتوهم بأنه الاحق والاصدق أو الافضل والاشرف بين الناس. فكيف لأصحاب الهويات والاصوليات أن يزعموا مثل هذا الزعم ، في عالم بات اليوم في غاية الفوضى والاضطراب أو العبث والتوحش؟! كيف للواحد أن يدعي بأنه الاصلح في دولة ينخرها الفساد، أو بأنه الأصدق في أجواء يسودها الدجل والنفاق، أو بأنه الانظف في مدينة تطمرها النفايات؟

7-أزمنتي وأمكنتي

        ليست الهوية عالماً من الصفاء والسكينة والانسجام. وإنما هي توليفة هجينة بقدر ما هي تركيبة غنية، من حيث تعدد العناصر والروافد أو تداخل الوجوه والاطوار أو توتر الميول والاهواء أو التباس المعاني والاسماء. هذا فضلاً عن تعدد دوائر العمل ومحطات العمر، وتقاطع سلاسل الانتماء العائلي والوطني أو الديني والطائفي. وكلها عوامل تترك أثرها في تكوين شخصية المرء. ومع ذلك ، إذا كان الواحد من الناس يشترك مع غيره في هويته الجمعية، فلكلٍ عالمه الخاص والفريد. لكل واحد أسراره وألغازه، عقده وكوابيسه، مغالقه ومفاتيحه، نقاط قوته ونقاط ضعفه.

        وهكذا، فهويتي هي حصيلة أزمنتي وأمكنتي، بقدر ما هي ثمرة ذاكرتي  وتواريخي: ما كنته وما انا عليه الان وما لم أكنه بعد: كل ما مررت به وتعرضت له، ما اشتغلت به وانخرطت فيه، ما عانيته وتفاعلت معه، ما كرهته ونفرت منه، ما صنعته واكتسبته، من الاحداث والتجارب أو الأحوال والاطوار أو الخبرات والمهارات أو النجاحات والمنجزات أو الصدمات والإحباطات. بهذا المعنى فهويتنا تضعنا دوماً على المفترقات أو أمام تعدد الخيارات، بقدر ما هي منسوجة من الفروقات أو مفتوحة على المفارقات والمفاجئات.

      هذا ما يفسر كيف أن الواحد تفاجئه نفسه بما لم يكن يحسب أو يعرف، سلباً أو إيجاباً، عجزاً او قدرة، هدماً أو بناءً، سقوطاً أو نجاحاً. والشواهد يقدمها على المستوى الفردي أولئك الذين يكونون في ذروة النجاح والتألق، ثم تهوي بهم أهواؤهم ونزواتهم أو طيشهم وحمقهم الى الحضيض الأسفل. وبالعكس ثمة شواهد، على مستوى الهوية الجمعية، هي على النقيض، تقدمها شعوب كانت وراء العرب، ثم أصبحت أمامهم بتحقيقها قفزات حضارية في مجالات الانماء والبناء جعلها تنافس الدول الغربية أو تسبقها، لأنها أحسنت العمل على معطياتها لتشغيل عقولها واستثمار مواردها.

8-الهوية والحيوية

      هذا ما يقودني الى خلاصتين، على سبيل الاعتبار والتبصر :

أ- لا أحد يقبض على حقيقته، كما لا أحد يتماهى مع نفسه. فكل سرد للهوية هو تخيل لشيء يختلف عن نفسه ويتجاوز ذاته، أو يستهلك نفسه ويعود على أعقابه، لأن كل سرد هو تأويل لمعنى يتغير ويعاد تأويله، أو هو قراءة لواقع يجري تفكيكه لتغييره وإعادة بنائه على سبيل الزحزحة والإحالة أو النقلة والقفزة.

         وإذا كان الواحد هو صنيعة لذاكرته وتواريخه وحتمياته المسبقة، فإنه أيضاً ثمرة لعلاقته بوجوده وواقعه، وهي علاقة فهم ومعرفة بقدر ما هي علاقة قدرة واجتراح، وهي علاقة توسط وتدخل بقدر ما هي علاقة لذة وبهجة. بهذا المعنى فالهوية هي شيء يجري تخيله وتركيبه أو صنعه وبناؤه، بقدر ما هي مؤسسة تخضع للتجديد والتطوير.

  ولذا ليست الهوية، وراءنا كعبء ثقيل نرزح تحته. إنها ليست حقيقة مسبقة أو مطلقة تختم على عقلنا لتستعبدنا بثوابتها المعيقة أو تقيدنا بقوالبها الجامدة.  إن الهوية الحية، الغنية والقوية، هي أمامنا، كأفق نفتحه أو مدى نخلقه. إنها السبق الدائم على الذات بالإتيان بما هو غير مسبوق. هذا شأن الهوية العابرة. إنها اندفاعة خلاقة تتيح للواحد ممارسة حيويته الوجودية، بكل أبعادها المعرفية والسياسية، الخلقية والمعاشية، العشقية والفنية، على سبيل الجدارة والاستحقاق، أو التجدد والثراء، أو الاستمتاع والازدهار.

النرجسية والهشاشة

ب-  ثمة درس أخر يمكن استخلاصه، إذا شئنا تجاوز الكلام على الهوية الفردية، نحو الهوية الكبرى، اعني هوية الانسان بالخط العريض والعنوان الكبير. والمسوغ الى ذلك هو أن العالم ليس على ما يرام، بعد كل هذه العهود من التنوير الفلسفي والتعليم الخلقي والارشاد الديني، بل هو اليوم في غاية الفوضى والاضطراب، سواء في ما يخص علاقة البشر بعضهم ببعض، وهي علاقة تتحكم بها مشاعر العداء وإرادة الصدام وصولاً الى البربرية؛ أو في ما يخض علاقتهم بالقيم، إذ إن حماتها هم أول من يعمل على انتهاكها؛ أو في ما يخص علاقتهم بالطبيعة والأرض، وهي تبنى على الاستنزاف والتلويث والتخريب.

    وهكذا نحن نندرج في واقع عالمي وكوكبي، هو في غاية التأزم والتوحش، إذ معه ننتقل من مشكلة الى مشكلة اكثر استعصاء، ومن فضيحة الى فضيحة أكثر دوياً، ومن كارثة الى كارثة أكثر هولاً. وتلك هي ازدواجية الانسان بمعناها الوجودي. فهي مصنع الامكان الذي جعل البشر يفكرون باستعمار الكواكب، بفضل منجزاتهم العلمية والتقنية الفائقة والخارقة.

   ولكنها تشهد من وجه آخر على جهل الانسان وهشاشته وضعفه، من وراء ادعاءات  العلم والقبض أو الهيمنة والتحكم. فها هي أعمال الانسان وصنائعه وأدواته تتجاوزه وتفلت من سيطرته ، لكي ترتد ضده وتفاجئه بمخاطرها وأهوالها، كما تفاجئه الطبيعة بأوبئتها وزلازلها وأعاصيرها. هذا ما يفسر لنا كيف أن الانسان يصل الى خلاف ما يفكر فيه أو الى عكس ما يدعو اليه. ولا عجب فالإنسان ليس فقط ما يفكر فيه ويقوله أو ما يدعو اليه ويتمسك به. إنه ايضاً وخاصة ما يسكت عنه ولا يقوله، أو ما يحجبه ويستبعده، أو ما يستعصي عليه فهمه ودركه، كما يتمثل ذلك في غياهب عقله والتباس مفاهيمه، أو في طيات فكره ومنسيّات وجوده. ولذا فعلاقته بالقيم والمثل هي، بحسب الاسطورة، كعلاقة سيزيف بالصخرة التي تتدحرج الى اسفل الجبل، كلما رفعها الى القمة، مما يجعلها تحتاج الى اعادة البناء بصورة دائمة، على سبيل التعزيز والتفعيل والتطوير

    ولذا لم يعد مقنعاً، بل بات خادعا ًومضللا، وربما مدمراً ، رمي المسؤولية من الواحد على الاخر، كما يُفكر أصحاب المنظومات الايديولوجية والهويات الاصولية والمشاريع الشمولية. فإنسانيتنا هي مصدر ما نشكو منه، كما تصنعنا مفردات التأله والعظمة والتملك والنرجسية والمركزية والابوية..

    والرهان إذا شئنا، إيجاد المخارج، كسر مركزيتنا البشرية، والتدرب على التعاطي مع هوياتنا، بمفردات التقى والتواضع، أو التأليف والتكامل، أو التركيب والتوازن ، أو التوسط والتبادل.

هذا النص شكل مداخلتي في ملتقى الهويات الذي كان سيعقد في الكويت في 16/4/2020 بدعوة من مكتبة تكوين ولكنه الغي بسبب جائحة كورونا.

هذه المقالة تعبر عن رأي صاحبها