aren

النظام المصرفي اللبناني مات، ماذا ننتظر لنغيّره بكامله؟ \\ كتابة : جهاد الزين
السبت - 18 - سبتمبر - 2021

المصارف اللبنانية الحالية تحوّلت إلى جثث حيّة: تنكيل يومي بالمودعين اللبنانيين والسوريين وبعض العرب وجدل بيزنطي تستفيد منه لتغطية تحويلات الأموال التي قامت وتقوم بها. العمل الوحيد ذو المعنى الإيجابي الذي يمكننا أن ننسبه إليها أو أنها ساهمت فيه هو تشجيع الشيكات المصرفية لتمويل المشتريات العقارية  حتى لو شاب هذه العمليات ارتفاعُ أسعارٍ دفتريٍّ مقرونٍ بدولار نقدي ( من خارج المصارف) يتراوح بين عشرة وعشرين بالمائة من سعر العقار. ومع الوقت خلال العام 2021 زادت النسبة النقدية “الفريش دولار” في عروض البيع.

هذه الزومبيات (من زومبي) التي تدعى المصارف بفروعها التي انتشرت في زمن تدفّق الأموال والرساميل والفوائد المرتفعة هي اليوم، سواء المقفلة منها أو المفتوحة، بيوت مالية سيئة السمعة لا تشرّف أصحابها ولا تشرّف حتى العابرين أمامها فكيف بالداخلين البؤساء إليها الذين يساومونهم في هذا الداخل على أرزاقهم بوقاحة لم تكن تخطر في بال أحد أنه ذات يوم سيشهدها لبنان. لقد دفع اللبنانيون المقيمون والمغتربون والسوريون من الطبقتين الوسطى والأغنى الثمن الرئيسي في هذا الوضع بعشرات مليارات الدولارات.

ذَهَبَ أدراجَ رياحِ السياسة اللبنانية الفئوية الاقتراحُ الوحيد المحترم على المستوى الرسمي الذي شهده لبنان في العامين المنصرمَيْن وهو اقتراح حسان دياب في بداية حكومته بإنشاء خمسة مصارف جديدة بدل القديمة تعيد تأسيس النظام المصرفي المنهار فعلاً. حسان دياب رئيس الوزراء  الذي هشّمته التركيبة الفاسدة وساهمت أخطاء نقص تجربته السياسية في إعطاء فرصة نهش “لحمه” الحي.

لم يُتح لهذا الاقتراح أن يأخذ حقّه في النقاش الجدي لنعرف أو نختبر ما إذا كان يصلح بداية حل لوقف الانهيار في بلد فقد خلال أسابيع أحد أهم قطاعات تركيبته منذ تأسيسه وهو القطاع المصرفي. لقد تسلّلت الميليشيات إلى القطاع المصرفي خلال الحرب الأهلية 1975- 1990 وتركّزت قانونيا وماليا بعد الحرب ومعها وصل “مصرفيون”، أعني بعضهم، من مستوى أخلاقي ومدني متدنٍّ شهدنا نتائجه  خلال الانهيار والتوقف عن الدفع ولم يظهر حتى “المصرفي الجيّد” من “المصرفي السيّئ” من حيث أنه لم يعلن أصحاب أي مصرف استعدادهم لتغطية جزء من الودائع المجمّدة من الأموال المحوّلة إلى الخارج.  أو حتى لم يخرج مصرف واحد عن الإجماع  في جمعية المصارف برمي المسؤولية الوحيدة الجانب على الدولة اللبنانية التي يديرها الشركاء السياسيون لأصحاب المصارف والذين كان حاكم مصرف لبنان ينفّذ قراراتهم سوى ما يمكن أن تُظهره، إذا أظهرت، التحقيقاتُ الفرنسية والسويسرية من سلوك الحاكم الفردي ومدى  وجود استغلال نفوذ على مستوى مصالحه الشخصية؟؟

هل نجيب ميقاتي هو الشخص المؤهل لقيادة عملية إعادة تأسيس القطاع المصرفي اللبناني وإخراجه من الحالة الزومبية التي يعيشها؟

الأرجح، سياسياً، أننا لا نعيش مرحلة إعادة تأسيس وإنما نحن في سياق انهيار اقتصادي شامل  لا وجود فيه لقوى إعادة تأسيس في لبنان حتى لو استفاد بعض قوى الأمر الواقع خدماتياً من الفراغ الحاصل على مستويين: انهيار دولة الرعاية اللبنانية التي لم يبقَ منها سوى القليل بعد إفلاس هذه الدولة اللبنانية وانهيار القطاع المصرفي.

إذن استمرار أو “ثبات” انهيار حتى لو أوقفته مؤقتاً مسكنات مالية سنختبر لاحقاً مدى فعاليتها.

لا توجد وراء الفراغ السياسي بالمعنى التغييري، “كتلة تاريخية” مدعومة من قوى في المنطقة قادرة على إخراج لبنان من أزمته على الأقل في السنوات العشر المقبلة. العكس صحيح كل ما يحيط بنا عنصر ديمومة للأزمة.

نحن محاطون بقوى معظمها “مؤقت”. الثبات الوحيد الأكيد هو القوى الدولية الولايات المتحدة الأميركية، الاتحاد الأوروبي، الصين، روسيا. ماذا يعني ذلك؟ يعني مباشرةً أننا سنستمر كملعب ولبنان في المقدمة ملعب رخيص السعر. الانتصارات رخيصة، وبمعنى ما الهزائم، هزائمنا، رخيصة على الآخرين وليس علينا.

في جو كهذا هل يمكن التفكير في ما آل إليه القطاع المصرفي الذي كان رصيداً إقليمياً ضخماً للبنان، هل يمكن التفكير بإعادة تأسيس بنيوية لهذا القطاع قبل أن يتقرر الدور اللبناني الجديد إذا كان من دور بعد؟

ننتظر موقف صندوق النقد من هذه المسألة واقتراحاته وكيف سيثيرها الوفد الحكومي المفاوض الجديد مع الصندوق وهي قطعا في صلب أي تفاوض يقتضي ليس فقط “إعادة توزيع الخسائر”، هذه الجملة العمومية جدا والغامضة،بل إعادة تأسيس القطاع بإشراف الصندوق، كمرجعية أساسية؟؟

بعد اتفاق أوسلو في أوائل التسعينات من القرن المنصرم والموجة المتفائلة التي أطلقها، نجح الثقل الدياسبوري اللبناني دولياً في تمييز حالة اللاجئين الفلسطينيين في لبنان وفرض التفكير بعودتهم أو عدم توطينهم كمعطى على الأقل في الخطاب الغربي الدولي.

اليوم هذا “الإنجاز” قد يكون تبدّد خصوصا مع انتقال الاهتمام الغربي إلى النزوح السوري وتأمين مقومات استمراره على الأرض اللبنانية، مؤقتاً على الأقل.

مع ذلك ومن قعر الهاوية نسأل: هل نشهد اليوم والظروف الحالية وخيمة جداً نجاحا ما بين الداخل اللبناني والدياسبورا في تمييز لبنان من حيث الحرص الغربي على تأمين ستاتيسكو إقليمي دولي حول وضعه؟

“النهار”اللبنانية