aren

«النظام الجديد» في تركيا \\ كتابة : د. محمد نور الدين
السبت - 14 - يوليو - 2018

 

أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أن تركيا دخلت فعلياً النظام الرئاسي، فور أدائه القسم الدستوري أمام البرلمان في التاسع من تموز 2018.

الخطوات التي أفضت إلى هذا اليوم كانت اثنتين. الأولى الاستفتاء على التعديلات الدستورية في 16 نيسان 2017 والتي كانت أقرب إلى إعداد دستور جديد، منها إلى مجرد تعديلات طالت 18 مادة من الدستور.

الخطوة الثانية كانت في الانتخابات الرئاسية في 24 حزيران الماضي والتي فاز فيها أردوغان ب 53 في المئة من الأصوات أمام أقرب منافسيه محرم إينجه الذي نال 31 % تقريباً.

أما الخطوة الثالثة فكانت دخول التعديلات حيز التنفيذ مع أداء أردوغان يمين القسم أمام البرلمان.

تغيير النظام البرلماني إلى نظام رئاسي، رغبة طالما راودت العديد من رؤساء الجمهورية في تركيا ومحطتها الأبرز كانت في عهد تورغوت أوزال؛ حيث إن الرئيس في النظام البرلماني كان محدود الصلاحيات وإن كان يستطيع الرئيس أن يكون لاعباً مؤثراً في الحياة السياسية.

فكرة الانتقال إلى نظام رئاسي في عهد حزب العدالة والتنمية، جاءت أيضاً بعد أن أصبح أردوغان رئيساً للجمهورية في آب 2014 وتلمسه محدودية قدرة الرئيس على فعل أشياء كثيرة. ومن ناحية ثانية كانت انتخابات الرئاسة عام 2014، الأولى التي ينتخب الرئيس فيها بالاقتراع الشعبي المباشر وليس كما كان يحصل من قبل من جانب أعضاء مجلس النواب.

وقد بادر أردوغان بعد انتخابه عام 2014 إلى القول إن النظام تغير بمجرد أن الرئيس بات منتخباً من الشعب وهذا له حقوق ومترتبات.

تركيا اليوم أمام نظام سياسي جديد. كل الصلاحيات موجودة بيد رئيس الجمهورية، التنفيذية والقضائية والأمنية والعسكرية. لم تترك التعديلات للبرلمان من صلاحيات سوى بعض الهوامش.

ألغى «النظام الجديد» موقع رئيس الحكومة. وهذا حدث تاريخي يحدث للمرة الأولى ليس فقط في العهد الجمهوري منذ العام 1923؛ بل منذ قيام الدولة العثمانية. فأول صدر أعظم (أي رئيس حكومة) كان في العام 1320 وآخر صدر أعظم انتهت ولايته عام 1922. وسيسجل أن ابن علي يلديريم كان آخر رئيس حكومة في تركيا وهو رفيق وشريك قديم لأردوغان في المجال السياسي والاقتصادي.

يمكن القول دون مبالغة، إن تركيا مع النظام الجديد دخلت في عهد «الجمهورية الثانية». وهذا تحول فعلي وليس مجرد تسميات تطلق هباءً. فمركز الثقل الآن ليس البرلمان أو الحكومة؛ بل رئيس الجمهورية.

وبذلك لم تعد القوى السياسية المعارضة أو المكونات الاجتماعية المعارضة، تشعر بحضور وازن لها في الحياة السياسية الذي كانت تمارسه من خلال البرلمان. وهذا ستكون له تداعياته على آليات التعبير عن مطالب المكوّنات المختلفة بعدما سدّت أمامها آليات التعبير في البرلمان بعدما فقد الكثير من صلاحياته.

ولا يفتح بدء تطبيق النظام الرئاسي أمام نشوء آمال وتفاؤل بتغيير ما. فالذهنية التي يحملها أردوغان لن يغير منها فوزه بالرئاسة في نظام جديد، وضع كل تفصيلاته هو بنفسه . فالنزعة القومية المتشددة التي مارسها تجاه الأكراد مثلاً، لن يغير منها شيئاً خصوصاً أنه جاء بفضل الأصوات القومية المتشددة، سواء المتمثلة بحزب العدالة والتنمية أو شريكه حزب الحركة القومية. وأردوغان لم يعدّل في الدستور، إلاّ لكي يرسّخ السيطرة القومية والدينية المتشددة في السلطة خارج أي محاسبة أثناء الولاية، وليس للمعارضة سوى انتظار انتخابات رئاسية جديدة لتجرب حظها من جديد.

يقلل النظام الرئاسي من أهمية مكسب التعددية السياسية التي بدأت في أيلول من العام 1945، خصوصاً أن تركيا ستكون أمام حكم الفرد الواحد وليس الحزب الواحد وخارج مساءلة السلطات القضائية الخاضعة للرئيس في معظم التعيينات. لقد قضى أردوغان على «الدولة العميقة» الشهيرة في تركيا القديمة؛ لكنه أقام دولة عميقة جديدة اسمها «دولة أردوغان العميقة». وأصبح العسكر حتى إشعار آخر، طوع بنانه حيث عين رئيس الأركان الحالي خلوصي آقار وزيراً للدفاع في الحكومة الرئاسية الأولى التي شكلها وكان هذا التعيين مكافأة للقادة العسكريين الذين وقفوا معه؛ بل بإمرته لتصفية جماعة فتح الله غولين والذين نفّذوا أوامره بمحاولة تدمير الحركة الكردية العسكرية والسياسية. كما مارس حقه التشريعي الجديد بتعيينه كرئيس للجمهورية، رئيس أركان جديد هو ياشار غولير بعدما كان مجلس الشورى العسكري هو الذي يعين رئيس الأركان ويصادق عليه رئيس الجمهورية.

نظام جديد وجمهورية ثانية ودولة عميقة جديدة، هي عناوين لتركيا الجديدة التي لا تزال مع كل ذلك تخفي الكثير من الأسرار .

“الخليج”