aren

الموازنة السورية … والتطورات الجيوسياسية \\ بقلم : عدنان كريمة
السبت - 30 - أكتوبر - 2021

في ضوء توقعاتها للتطورات المرتقبة نتيجة اقتسام النفوذ «الجيوسياسي»، إقليمياً ودولياً، في سوريا، تراهن الحكومة السورية على حصول انفراجات سياسية كبرى في الإقليم، تنعكس اقتصادياً من خلال تحقيق مؤشرات إيجابية. وانطلاقاً من هذا التفاؤل، تم إعداد موازنة العام المقبل التي بلغت أرقامها أكثر من 13 تريليون ليرة، بزيادة نسبتها نحو 60 في المئة عن موازنة العام الحالي.

وعلى الرغم من تدهور سعر صرف الليرة السورية، فقد ارتفع سعرها بالدولار بنسبة تصل 30 في المئة، الأمر الذي يعكس مدى تشجع الحكومة لجهة الرهان على قدرتها على سد العجز المالي. وهذا مع الإشارة إلى زيادة تمويل بعض بنود الإنفاق العام، وخصوصاً تكلفة الدعم الاجتماعي التي تزيد عن 1.5 مليار دولار. ونظراً لأهمية التطورات المرتقبة في مسيرة الاقتصاد السوري، فإنه لابد من الإشارة إلى أن خريطة السيطرة العسكرية في سوريا شهدت تغيرات كبيرة خلال السنوات العشر الماضية.

مصرف سورية المركزي \ اسوشيتد برس\

ويتبين من أحدث خريطة أعدها «مركز جسور للدراسات» السوري، أن الحكومة حافظت على 63.38 في المئة من مساحة البلاد بفضل الدعم الكبير من حلفائها، وعلى رأسهم روسيا، مقابل 25.6 في المئة تحت سيطرة «قوات سوريا الديمقراطية» بدعم من القوات الأميركية، أما المعارضة المسلحة الأخرى فاقتصرت سيطرتها على 10.98 في المئة فقط. ويعود ثبات خطوط التماس إلى سلسلة عوامل خارجية وداخلية تتعلق بتفاهمات بين روسيا وأميركا وتركيا. وقد تم التفاهم على رسم خط تباين نظري هو نهر الفرات، بحيث يكون طرفه الشرقي لأميركا وحلفائها، وطرفه الغربي لروسيا وحلفائها.

وأبقت واشنطن على قاعدة شرق سوريا ومنبج على الحدود التركية، لاستثمار نفوذها السياسي والعسكري، ولحماية سيطرتها في مناطق حقول النفط والغاز في دير الزور والحسكة، وهي تمتد إلى تدمر وريف حمص (وسط سوريا)، حيث سيطرة القوات الروسية مع الفيلق الخامس التابع للجيش السوري النظامي.

ولا شك في أن التطور الرسمي لأرقام الموازنات، لا يدل على تطور اقتصادي، لأنه لا يعود إلى زيادة حقيقية ناتجة عن توسع أو نمو في الاقتصاد السوري، وإنما إلى تضخم قيمة النفقات الناجمة عن الارتفاع الكبير في الأسعار، وبسبب نوع إدارة الاقتصاد والسياسة معاً، مصحوباً بالفساد والإهمال والمحسوبية، في ظل تدويل قضية سوريا، واشتداد الحرب بالوكالة على أرضها، واقتسام النفوذ واستثمار المصالح.

ووفق المعايير الاقتصادية، كان العام 2020 أحد أسوأ الأعوام على الاقتصاد السوري، وذلك بسبب تأثير تفشي وباء كورونا العالمي، وانهيار ثقة المستثمرين، وتراجع سعر صرف الليرة من 900 ليرة للدولار إلى 2865 ليرة، واستمرار تراجعه إلى 3500 ليرة، وهو السعر المعتمد في موازنة العام المقبل. لكن خلافاً لتفاؤل مخططي السياسات الاقتصادية في الحكومة، برزت مخاوف تثير الشك ليس فقط في قدرة الحكومة على تغطية العجز المعلن والمقدر بـ4.4 تريليون ليرة سورية (1.2 مليار دولار)، بل كيف تستطيع توفير الإيرادات المقدرة في الموازنة بنحو 9.2 تريليون ليرة (2.6 مليار دولار)؟

يبدو أنه ليس أمام حكومة دمشق لتأمين هذه الإيرادات سوى الاعتماد على طباعة المزيد من العملة السورية، في ظل صعوبة التحصيل الضريبي، وتهريب الأموال، وتراجع الثقة بسندات الخزينة. مع الإشارة إلى تسريبات عن احتمال طرح ورقة نقدية جديدة من فئة العشرة آلاف ليرة سورية، لأن الحاجة لتداولها في الأسواق باتت ملحة، نظراً للتضخم وفقدان العملة لقوتها الشرائية بنسبة كبيرة، وهي معرضة لمزيد من التدهور.