aren

الملل.. ورعب الزمن الفارغ \\بقلم: سعيد ناشيد
الخميس - 17 - ديسمبر - 2020

(خاص)

التجدد الاخباري

جسدُ الإنسان ميّال بطبعه إلى الكسل، وعندما يتكاسل الجسد يأخذ في الترهل، ويصاب بالخمول والذبول، ثم سرعان ما تظهر على المرء أعراض التواكل والشكوى والتذمر، وغيرها من أمراض الانحطاط الثقافي، وصولاً إلى أعراض القنوط والضجر والسأم وغيرها من أمراض انحطاط الروح. هذا ما يفعله الكسل بالإنسان.

لا يقتصر الكسل على المجتمعات المتخلفة عن ركب حضارة العلم والعمل، بل لعله فطرة الإنسان الذي خُلق على فطرة أن يأكل، ويتناسل، وينام، قبل أن يدفعه الملل إلى البحث عن أنشطة إضافية بدت بادئ الأمر كأنها بلا فائدة، من قبيل الموسيقى، والكتابة، والرقص، والنحت، وغيرها.

الفراغ المزعج

ومجمل الفرضية التي أقترحها أن مشاعر الملل بدأت تنتاب الإنسان في سياق تحوّلات الحضارة والحياة، ودفعته إلى البحث عن أنشطة إضافية لكي يملأ بها وقت الفراغ الزائد والمزعج. ولكن، متى أصبح لديه وقت زائد؟ وما المزعج في وقت الفراغ؟

نبدأ من السؤال الثاني:

الزمن الفارغ وقت فائض عن الضرورة الطبيعية المتمثلة في السعي إلى الطعام والنوم والتناسل. الزمن الفارغ هو ما يبحث عنه الناس وعندما يجدونه يشعرون إزاءه بالرعب والتوتر. هنا تكمن المفارقة. إن يوم الأحد الذي ينتظره الجميع، ثم يشكو الجميع من ملله، ليعطينا فكرة عن المأزق الوجودي للإنسان في مواجهة الزمن الفارغ. الزمن الفارغ زمن مزعج لأنه يمثل لحظة الكشف كأن وجودنا بلا معنى. ولذلك ننشد الفراغ لكي نرتاح من العمل ولكننا ما أن نمتلك وقت الفراغ حتى نسعى إلى شغله بأي شيء، ثم لا نعرف بماذا أو كيف؟ خُلقنا على فطرة أن نكون في حالة تركيز دائم على الهدف (الصيد للأكل)، وفي حالة انتباه دائم إلى المخاطر (الحذر للبقاء). ولذلك حين لا يكون هناك من هدف محدد، أو خطر معين، ولا يكون الوقت وقت نوم، يكون هذا سبباً كافياً للملل.

بدأ الإنسان يشعر بالملل حين أصبح لديه كثير من الوقت الزائد عن حاجياته الطبيعية الضرورية والمتمثلة في الصيد من أجل الأكل، والتناسل لإكثار النوع، والنوم من أجل الراحة، وذلك بسبب تحولات كبرى طرأت على نمط الإنتاج، وتقسيم العمل، وتراكم الثروة، وظهور أنماط الرعي والزراعة والاستقرار.

الشعر والغناء

لم يكن الصياد البدائي يملك كثيراً من الوقت لكي يشعر بوقت الفراغ، فقد كان عمله اليومي للحصول على الطعام وتفادي المخاطر يتطلب تركيزاً كبيراً طول النهار، ولم يكن لديه اكتفاء من الموارد الغذائية، فقد كانت معركة الجوع معركة يومية بالنسبة لإنسان الكهوف والأدغال. غير أن الراعي الذي سيظهر لاحقاً سرعان ما سيشعر بأن عمله لا يتطلب تركيزاً كبيراً لوقت طويل، ولذلك استعان بالناي والمزمار والقيثارة وأشياء أخرى من قبيل الشعر والغناء، وذلك لتلبية الحاجة إلى التركيز وكسر الملل، وداخل الزمن الفارغ للرعاة تطورت أشكال الموسيقى الرعوية العريقة في الحضارات القديمة جلها. ونفس القول أيضاً عن مجتمعات المزارعين، حيث بين الحرث والحصاد، ثم بين الحصاد والحرث، هناك زمن فارغ يستدعي أنشطة غير مرتبطة بالضرورة الطبيعية.

وثمة معطى آخر، يتعلق بارتفاع متوسط عمر الإنسان، بحيث كان متوسط عمر الإنسان في مجتمع الصيادين أقل من أربعين عاماً، يمضيها الإنسان بين الصيد نهاراً والنوم ليلاً، وفي النهاية غالباً ما يموت قبل أن يشيخ، وبالتالي لم يكن في حياته القصيرة وقت زائد عن زمن السعي إلى الأكل والنوم والتناسل.

إنسان الحضارة

الزمن الفارغ هو الزمن الذي سيحاول الإنسان أن يملأه بأنشطة لا تنتمي إلى مجال الضرورة الطبيعية، أنشطة كثيرة ومتنوعة من قبيل النحت، والرسم، والموسيقى، والكتابة، والرقص، وغيرها، وبالموازاة شرع العقل في التطور رويداً رويداً، بدءا من عصور السحر والخرافة، وصولاً إلى عصر العلم والمعرفة.

لم يظهر الملل إلا مع ظهور إنسان الحضارة الذي وجد نفسه أمام وقت زائد عن حاجياته الضرورية. وكان السؤال، أين يمضي أوقات فراغه؟ التنزه، الفرجة، الاحتفال، الاكتشاف.. إلخ؟ كذلك كان، وقد أبدع في هذا كله إبداعاً جميلاً، من حيث الحدائق، المسارح.. إلخ. ورغم ذلك لا تغطي تلك الأعمال وقت الفراغ كله، ولاسيما لدى الطبقات الأرستقراطية التي وجدت نفسها غير مضطرة إلى العمل. هناك دائماً وقت لعدم فعل أي شيء. ولذلك اهتدى إنسان الحضارة إلى التأمل باعتباره ترياقاً للملل حين لا يمكن عمل أي شيء، فكان طبيعياً أن تظهر الفلسفة ضمن الأوساط الأرستقراطية للمدن، حيث يوفر الاكتفاء الذاتي وتقسيم العمل كثيراً من الوقت الفارغ.

مقاومة الملل

وقد تطور العقل في سياق معركة مقاومة الملل الناجم عن الزمن الفارغ، ولا تزال المعركة مستمرة إلى غاية اليوم، بل ثمة فرضية إضافية، مفادها أن الملل سيزداد شراسة بفعل ارتفاع معدل عمر الإنسان جراء الثورات الجارية في مجال تقنيات الطب وعلم الجينات، وكذلك بفعل تمديد مرحلة الشيخوخة التي ستصبح أكثر مراحل حياة الإنسان طولاً. إن ملل يوم الأحد ليعطينا فكرة عن تقاعد طويل الأمد قد يستغرق عشرات السنين من الشيخوخة.

فالملل وخز الكينونة الذي يفرض على العقل أن يحسن تدبير الزمن الفارغ، وأن يحاول استكشاف أشياء جديدة، اختبار إمكانيات مجهولة، وشق طرق غير مطروقة، ومن خلال ذلك كله يحقق الإنسان النمو والارتقاء.

الملل صوت الفراغ الذي يقول للإنسان:

هيا انهض أيها الإنسان، اشتغل، فكِّر، خطِّط، أبدع، سافر، اقرأ، اكتُب، ارسم، ارقص، غامر، خاطر، وفي النهاية تأمل كما ينبغي، جرِّب إمكانيات أخرى، فرصاً أخرى، مسارات أخرى، لا تقم بالشيء نفسه على الدوام، لا تمكث في المكان نفسه على الدوام، لا تتمسك بالأفكار نفسها على الدوام، لا تنس أنك إنسان.