aren

المفاوضات في غياب القطب الديمقراطي \\ بقلم : د. منذر خدام
الأحد - 29 - يوليو - 2018

 

منذ ان تفجرت الأزمة السورية في شهر آذار من عام 2011 ونحن نطرح قضية تشكيل قطب ديمقراطي علماني معارض دون ان نحقق أي نجاح يذكر، والسبب كما نعتقد في ان كل طرف في المعارضة الوطنية الديمقراطية مكتف بذاته للأسف.

ومنذ نحو سنتين بعد ان غيرت هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي نهجها وانتقلت إلى منصة الرياض متبنية نهج الائتلاف ورؤيته السياسية ، بادر عدد مهم من كوادر الهيئة لتشكيل هيئة التنسيق الوطنية – حركة التغيير الديمقراطي لتتابع نهج الهيئة كما قرره مؤتمرها التأسيسي في حلبون في شهر حزيران من عام 2011 والمجالس المركزية اللاحقة ، ومنها تجديد العمل من جديد على هذه القضية باعتبارها قضية مركزية للحل السياسي التفاوضي ، ومع اننا توصلنا إلى تفاهمات سياسية مع أهم فصائل المعارضة  في الداخل للعمل المشترك على هذه القضية ، إلا ان النجاح كان متواضعا للأسف.

السبب هنا أيضا – كما في السابق – يعود أساسا إلى كون كل من هذه القوى المعارضة بقيت مكتفية بذاتها، لكن أضيف سبب آخر ، وهو أن بعض هذه القوى لا يزال يراهن على مسار جنيف للتوصل إلى حل سياسي، وهو المسار الذي حسبناه فاقد الصلاحية منذ اكثر من سنتين.

ومنذ نحو ستة أشهر ، ركزنا العمل على بناء تحالفات سياسية مع القوى والأحزاب الناشطة في المناطق الشمالية الشرقية من البلاد وقد حققنا بعض النجاح توج ، في الآونة الأخيرة، بالمشاركة في المؤتمر الثالثلمجلس سورية الديمقراطية (مسد) ، الذي عقد في الطبقة بتاريخ 16/7/2018، وانتخب ثلاث من رفاقنا في الهيئة التنفيذية.

وبالمناسبة فإن مجلس سورية الديمقراطية هو تحالف جبهوي لعدد كبير من الأحزاب والقوى السياسية وليس كما يصوره البعض بأنه مجلس كردي .. كما شاركنا في المؤتمر الحواري ، الذي عقد في مدينة عين عيسى بتاريخ 18/19/7/2018، بمشاركة قوى من المعارضة في دمشق، ومن شخصيات موالية، وكانت القضية ذاتها محور اهتمامنا وقد حققنا بعض النجاح.

لقد جاءت مشاركتنا سواء في المؤتمر الثالث لمسد أو في المؤتمر الحواري على اسس سياسية واضحة تم التعبير عنها في وثيقة التفاهمات التي توصلنا إليها مع مسد، وفي البيان الختامي الذي صدر عن المؤتمر الحواري الذي عقد في مدينة عين عيسى ، والتي تنص بوضوح على وحدة سورية أرضا وشعبا، وسيادة الدولة السورية على كامل الأراضي السورية، والعمل في سبيل بناء دولة ديمقراطية علمانية لا مركزية.

كنا ولا زلنا نعتقد ان حل الأزمة السورية ينبغي ان يكون نتيجة حوار سوري – سوري في الداخل وليس في الخارج، وان يشمل الحوار جميع قوى المجتمع السوري سواء في المعارضة، او في الموالاة، إضافة إلى هيئات المجتمع المدني والأهلي يمكن ان تفضي إلى عقد مؤتمر وطني شامل يتمخض عنه الحل المنشود.

لقد طرأت تغيرات عديدة على مشهد الأزمة السورية خلال السنتين الماضيتين :

أولا ، تقلصت كثيرا مساحة سيطرة القوى الارهابية بفضل تضحيات الجيش العربي السوري، وقوات سورية الديمقراطية.

ثانيا، صار واضحا إلى حد الفضيحة حجم تدخلات القوى والدول الخارجية في سوري تحت عنوان صداقة الشعب السوري، وهم كانوا يتآمرون عليه بامتياز منذ البداية ، وعلى طول مسار الأزمة.

ثالثا ، لم يعد الرهان مجديا على دور قوى المعارضة المنضوية في إطار منصة الرياض بعد أن انكشفت عمالتها للخارج، على حساب كل ما هو وطني سوري وديمقراطي .

رابعا ، لم يعد خافيا رغبة أمريكا في الانسحاب من سورية، وقد أبلغت ذلك لبعض اطياف المعارضة الداخلية خصوصا في شرق شمال سورية، وانها لا تمانع بالدخول في مفاوضات مع الحكومة السورية من اجل عودة مؤسسات الدولة إلى المحافظات الشرقية.

وخامسا ، بدأ الروس نشاطا دبلوماسيا مكثفا لعودة اللاجئين السوريين إلى الوطن.

ومع أننا كنا قد تفاعلنا بصورة ايجابية مع دعوة السيد هيثم مناع الأخيرة لتشكيل القطب الديمقراطي ، وقمنا بتذكير أطراف أخرة من المعارضة بالتفاهمات التي وقعناها معها لتشكيل هذا القطب ، لكن بقاء هذا القوى مكتفية بذاتها، ورهانها على مسار جنيف وعلى عمل اللجنة الدستورية ، أفشل هذا المسعى.

في ضوء كل هذه المعطيات ، توصلنا منذ بعض الوقت إلى استنتاج بأن المسار السياسي ، سوف ينطلق في الداخل قريبا في غياب القطب الديمقراطي العلماني المعارض.

وكان واضحا لنا ان غياب القوى السياسية في شمال شرق سورية عن أي مسار سياسي لحل الأزمة السورية سوف يكون بلا جدوى ، لذلك بدأنا العمل مع هذه القوى منذ بعض الوقت لتشكيل نواة صلبة للقطب الديمقراطي العلماني المعارض، على أساس رؤية سياسية وطنية جامعة، وهذا ما حصل في مؤتمر مسد الأخير.

وبالمناسبة طرأت تغييرات مهمة على الرؤية السياسية لمسد، فلم تعد تتبنى خيار الفدرالية، وصارت تقبل باللامركزية ، وبناء عليه فإنني ادعو جميع القوى الديمقراطية العلمانية المعارضة في الداخل للحوار مع مسد لتشكيل معارضة وطنية ديمقراطية للمشاركة في العملية السياسية التي بدأت بين وفد من مسد ووفد من الحكومة السورية.

وبقدر ما يكون هذا التكتل المعارض واسعا ، بقدر ما تستطيع المعارضة الوطنية الديمقراطية ، ان تفاوض من موقع أفضل ، لمصلحة تحقيق التغيير الجذري والشامل للنظام الاستبدادي ، إلى نظام ديمقراطي علماني لامركزي.

لأول مرة تجري في سورية مفاوضات مباشرة بين وفد من المعارضة ، ممثلا بمجلس سورية الديمقراطي ، ووفد من الحكومة السورية ، وبحسب البيان الذي اصدرته مسد عن المفاوضات ، فإنها تركزت على وضع ” الأسس التي تمهد لحوارات اوسع وأشمل لحل كافة المشاكل العالقة وحل الأزمة السورية على مختلف الصعد”.

وقد أشار البيان إلى ان ” حوارات تمهيدية” عقدت في مدينة الطبقة كانت قد مهدة لزيارة وفد مسد إلى دمشق. لقد أسفر الاجتماع في دمشق إلى ” اتخاذ قرارات بتشكيل لجان على مختلف المستويات لتطوير الحوار والمفاوضات وصولا إلى وضع نهاية للعنف والحرب..” ورسم ” خارطة طريق تقود إلى سورية ديمقراطية لامركزية”.

وفي التفاصيل أفادت بعض مصادرنا انه تم الاتفاق على تشكيل لجان لحل المسائل ذات الطابع الخدمي وعودة مؤسسات الدولة للعمل في المناطق الشمالية الشرقية، لكن الاهم من كل ذلك الاتفاق على دراسة الادارة الذاتية المطبقة في المناطق الشمالية الشرقية ، والإدارة المحلية المطبقة من قبل النظام للتوصل إلى تصور مشترك للامركزية يمكن تطبيقه على كامل الأراضي السورية.

لقد شبع السوريون قتلا وتدميرا ، وهم بحاجة لمسار يطمئنهم بأن تضحياتهم لن تذهب هدرا، وان مستقبل بلدهم ينبغي ان يشاركوا جميعا في بنائه على أسس من الديمقراطية والعلمانية واللامركزية ، يسود فيه حكم القانون، فهل تستوعب المعارضة الوطنية الديمقراطية الدرس ولا تفوت هذه الفرصة أيضا …!!!.

هذه المقالة تعبر عن رأي صاحبها