aren

المغامرة الجديدة لضرب المقاومة في لبنان \\ كتابة : ابراهيم الأمين
الخميس - 19 - أغسطس - 2021

لم يكن يوم السفيرة الأميركية في بيروت دوروثي شيا عادياً نهار الرابع من آب الماضي. لكنها في ساعات الليل، غالبت نفسها وحاولت التخفيف عن فريقها بالقول: «كان من الجيد أننا لم نرسل تقديرات بناء على ما قاله لنا المنظّمون، وإلا لكنا وقعنا في فضيحة»!

الفضيحة، بحسب شيا، كانت عنوان اجتماع دعت إليه السفيرة ممثلي نحو 16 جمعية «مدنية» أنفق الأميركيون عليها أموالاً طائلة، وساندوها بحملة إعلامية ضخمة نظّمتها تلفزيونات طحنون بن زايد («أل بي سي» و«أم تي في» و«الجديد») ومواقع إلكترونية وعشرات الناشطين على صفحات التواصل الاجتماعي.

وكان ممثلو هذه الجمعيات قد أعدّوا برنامجاً لنشاط جماهيري قال بعضهم للأميركيين إنه سيحشد مليون لبناني على الأقل، ستتقدّم ثلة منهم وتقتحم مجلس النواب وتعلن السيطرة على البرلمان قبل السيطرة على السراي الحكومي. وهي فكرة أقرّ ناشطون بأنهم عملوا عليها، لكنهم اتهموا زملاء لهم بالخوف والجبن. لكن الفكرة من أساسها كانت مصدر قلق للأميركيين، باعتبار أنه عندما تسمّرت شيا وفريقها أمام الشاشات، لم يعثروا على المليون. وهذا ما دفعها في الاجتماع الذي عقدته في مكتبها في السفارة إلى وصف ممثلي «الثورة الإصلاحية الكبرى» بأنهم فاشلون، ويتحمّلون مسؤولية ما حصل، وأن أكثر ما قدروا عليه لا يتجاوز بضعة آلاف (حصل جدل لاحق حول تقديرات القوى الأمنية لحجم المشاركين في نشاط 4 آب، إذ تم التمييز بين الحشد العام، وبين الذين شاركوا في قداس البطريرك الراعي، وبين من خرجوا من الساحات فور اندلاع المواجهات، وينقل عن مسؤول جهاز أمني رفيع قوله إن المليون الذين انتظرتهم شيا لم يحضر منهم سوى عشرة آلاف على أكثر تقدير).

المهم، بالنسبة إلى السفيرة الأميركية، هو برنامج العمل للمرحلة المقبلة. وهي قرّرت مصارحة الحاضرين بأنه ستكون هناك من الآن وصاعداً رقابة على ما يقومون به. وكرّرت لهم أن ثقة بلادها أكبر بأهمية إنفاقها على الجيش اللبناني وكيفية التعامل مع قوى الأمن الداخلي، وأن واشنطن لا تزال تراهن على المجتمع المدني ووسائل الإعلام الخاضعة لبرنامج التعاون – التمويل، لكن صار من الضروري الانتقال إلى جدول أعمال أكثر وضوحاً: من الآن وصاعداً، مهمتكم محصورة في بند واحد، وهو تحميل حزب الله مسؤولية كل خراب يحصل في البلاد، وأن الحل هو باستسلام حزب الله. والضغط يجب أن يكون على كل من يتعامل معه.

وثمة كلام خطير قالته شيا أمام الحاضرين عن التحقيقات في جريمة مرفأ بيروت. وربما من الضروري أن يوضح المحقق العدلي ما إذا كان صحيحاً أنه يعقد اجتماعات مع سفراء عرب وغربيين وممثلين عنهم، وفي مقدمهم السفيرة الأميركية نفسها.

لكن شيا لم تتوقف عند هذا الحد. المراجعون لإدارتها في واشنطن مباشرة، سمعوا كلاماً عن ضرورة تشكيل الحكومة. لكن مهمة شيا ترتبط بمواجهة حزب الله. وهي مضطرة الآن لمواجهة التحدي الأبرز المتعلق بقرار حزب الله إدخال نفط إيراني إلى لبنان للمساعدة في مواجهة أزمة المشتقات النفطية. وهي، لذلك، قصدت نهاية الأسبوع الماضي الرئيسين ميشال عون ونجيب ميقاتي وقائد الجيش العماد جوزيف عون. وبعدما تلت معزوفة حماية لبنان وأمنه واستقراره وضرورة تشكيل حكومة مستقلين، عادت لتقول بأن هناك أهمية كبرى لضبط الحدود. وحتى لا يفهم المستمعون أنها تشكو من تهريب محروقات من لبنان إلى سوريا، أوضحت أن إدارتها «لن تكون مسرورة من أي مخالفة للقوانين الدولية أو قرارات العقوبات، وأن من يقدم على مخالفة من هذا النوع سيكون عرضة للعقوبات المباشرة».

طبعاً لم يكن ما قصدته شيا يحتاج إلى شرح لأن الكل يعرف، من الرئاسات القائمة أو المستقيلة أو المكلفة مروراً بالوزراء والنواب والمصارف وصولاً إلى الشركات العاملة في حقل النفط ومشتقاته، أن الولايات المتحدة قررت خوض معركة منع وصول أي دعم نفطي إيراني إلى لبنان، سواء عبر البحر أو البرّ أو أي وسيلة أخرى.

كل هذه المقدمة الخبرية الطويلة هدفها الإشارة بوضوح، لا يشبه كل كلام سابق، إلى الدور المباشر الذي تقوده الولايات المتحدة وسفيرتها في لبنان، بمساعدة سفراء بريطانيا وفرنسا وألمانيا والسعودية والإمارات العربية المتحدة، وتعاون غير خفي من سفراء دول عربية وأوروبية أخرى. وكل هؤلاء يعملون وفق نظرية واحدة مفادها أن هزيمة حزب الله تحتاج الآن إلى أمرين: فض الحلفاء عنه مهما كانت الكلفة، وخلق التوترات الناجمة عن أزمات معيشية أينما كان ومهما كانت الكلفة.

قبل 15 سنة. قرر الأميركيون بمساعدة الرئيس الفرنسي الراحل – من دون محاكمة – جاك شيراك (الذي كان يتلو فعل الندامة على غلطته بمعارضة حرب العراق وعدم انخراطه في حرب مباشرة ضد سوريا والمقاومة في لبنان) الشروع في خطة إنهاك لبنان لدفعه، وسوريا، إلى التماهي مع التغييرات الكبيرة التي تلت أكبر عدوان أميركي على العراق. وتظهر وثائق ويكيليكس (النسخة السورية) أنه بدأت في ذلك الحين مشاريع العمل على المعارضة السورية ضد حكم الرئيس بشار الأسد. ولم يكن في لبنان عنوان سوى جمع أركان النظام نفسه، وتخييرهم بين البقاء كما هم لكن تحت المظلة الأميركية – الفرنسية – السعودية، وإما التعرض لضغوطات كبيرة. لم تكن مفاجأة كبرى للفرنسيين والأميركيين عدم موافقة ميشال عون على المقترح.

كان الأخير يجد لبنان أمام فرصة استعادة تسوية داخلية كبيرة تتيح بناء حكم مختلف. لذلك قرر الحلف الجديد عزله ومعاقبته. وخرج وليد جنبلاط وسعد الحريري، ومعهما حتى البطريرك الراحل نصرالله صفير، بفكرة أنه يمكن تحييد حزب الله. لكنهم سارعوا إلى تلبية الطلب الأميركي بالضغط عليه، وهو ما دفع برنامج العمل على التحقيق في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري إلى الحدّ الأقصى مباشرة: تجييش الشارع ضد حلفاء المقاومة وسوريا، اعتقال الضباط الأربعة وترويع كل من يشكك في نزاهة التحقيق الدولي، الشروع في تغييرات كبيرة على مستوى إدارات الدولة، والسعي إلى الفوز بغالبية نيابية تتيح تنفيذ الانقلاب الكبير.

ومع تراجع فرص نجاح المشروع، عاد الجميع وقبل النصيحة الإسرائيلية بالتصويب حصراً على حزب الله. فجأة، خرجت الأوراق التي تقول إن حزب الله، لا سوريا، مسؤول عن قتل الحريري. وبوشر الضغط السياسي عبر وسائل كثيرة قامت على فكرة عزل المقاومة، وصولاً إلى ما اعتُبر في حينه تمهيداً مناسباً لشن العدو «العملية العسكرية الساحقة» التي توفر القضاء على قوة المقاومة العسكرية… وهو ما جعل بعض العرصات – ليس هناك من تعبير لطيف أكثر – يتحدثون عن زنزانات جاهزة لاستقبال حسن نصرالله ورفاقه.

ومع الصدمة التي أذهلت العالم كله بفشل الحرب الإسرائيلية، قرر الأميركيون رفع مستوى الضغط الداخلي، وتولى ثلاثي الحريري – جنبلاط – مسيحيي 14 آذار الانتقال إلى خطة الهجوم الداخلي، مع مستوى أعلى من التصعيد، حتى وصلنا إلى ما وصلنا إليه في 7 أيار. ذلك اليوم الذي سبقه إقناع الحريري بأنه يملك جيشاً قادراً على طرد حزب الله من بيروت الكبرى، وأن هناك جيشاً رديفاً ومدداً ينتظره في عاليه والشوف وطريقي البقاع وبيروت قادر على محاصرة المقاومة، وفي اللحظة المناسبة يمكن للجيش اللبناني أن يكون جاهزاً لإدارة استسلام حزب الله… لكنه فيلم أجهزت عليه المقاومة خلال ساعات قليلة. ولم تفشله فحسب، بل أدارت المعركة في حينه بطريقة تمنع إعادة البلاد إلى زمن خطوط التماس والتجمعات المسلحة والمناطق ذات الصفاء الطائفي والمذهبي.

فشل الأميركيون حينها في تدفيع المقاومة في لبنان ثمن انتصارها على إسرائيل بين تجربة العام 2000 والعام 2006. لكن تبدل الخطط العالمية في اتجاه قطع صلة الوصل مع سوريا، جعل العالم في مواجهة جديدة مع حزب الله، وصار لزاماً تدفيعه ثمن الدور الاستراتيجي الذي لعبه في منع إسقاط حكم الرئيس بشار الأسد، وضرب البنية الاستراتيجية للجهات التكفيرية في العراق. وفوق ذلك، مدّ يد العون – على تواضعها – لليمنيين الذين يواجهون إرثاً استعمارياً عمره أكثر من مئة عام. وفوق كل ذلك، ها هو حزب الله، يلعب دوراً في إعادة لمّ شمل قوى المقاومة في فلسطين ولبنان وسوريا والعراق واليمن، ويلعب دوراً محورياً حتى في المواجهة الأخيرة التي شهدتها فلسطين التي خاضت أكبر المعارك وأكثرها أهمية في «سيف القدس».

اليوم، لا يجد الأميركيون، ومعهم فرنسا وبريطانيا وألمانيا (غريبة الجرأة الألمانية في تولي أدوار قذرة في لبنان، وكأنهم لم يتعلموا من دروس الماضي في مواجهة حركات التحرر العربية، أو لا يعون حجم الثمن الذي سيضطرون لدفعه جراء التزامهم تعاليم الولايات المتحدة وإسرائيل). يجتمع كل هؤلاء، بالتعاون مع السعودية (بكل الحقد الذي يسيطر على عقل قادتها) والإمارات العربية (بكل التوتر الذي يسود قادتها جراء الهزائم المتتالية في أكثر من ساحة)، ويقررون استخدام حيلهم اللبنانية، القديمة منها (أحزاب وزعامات إقطاعية ومرجعيات دينية ومؤسسات أكاديمية)، والجديدة (جمعيات للنشاط المدني من نوع غب الطلب، وأفراد يطمحون لتولي أدوار خاصة وربما يفكرون الآن في كيفية مغادرة لبنان والمنطقة قبل رحيل القوات الأميركية لئلا يصيبهم ما أصاب أقرانهم في كابول)، والهدف وحيد: تنفيذ استراتيجية التوتر في حدودها القصوى ضد حزب الله.

في السياسة والحصار الاقتصادي وفي الأمن وفي الاجتماع والتحريض الإعلامي، وفي كل ما يقود، في اعتقادهم، إلى محاصرة الحزب وعزله تمهيداً لمحاولة جديدة يفترضون أن إسرائيل ستكون قادرة على إنجازها في مواجهة المقاومة في لبنان.

مع الأسف، قد نشهد كثيراً من الأحداث التي تعكس هذا الفهم الأميركي للفوضى، من نوع مواجهات دامية في أكثر من منطقة لبنانية، أو حملات إعلامية موتورة، أو حتى إجراءات قضائية (كما يحصل في ملف المرفأ)، إضافة إلى ضغوط أكبر لمنع حصول لبنان على أي نوع من الدعم المباشر أو غير المباشر ما لم يخضع لإدارة الغرب. وغداً ستسمعون أن أي قرش يتقرر صرفه في لبنان من خلال صناديق دولية أو عربية، يجب أن يخضع لإدارة مختلفة. وسيطلب الغرب أن يكون الجيش اللبناني هو الإدارة التنفيذية، وأن يكون ممثلو الجمعيات «المدنية» هم الأدوات المشرفة على الأرض، وأن يكون هناك مراقب من قبل المؤسسات الدولية تصدر عنه الموافقة لصرف أي قرش…

حسناً، ها نحن أمام حلقة جديدة من فيلم أميركي لم يتوقف منذ مئة عام وأكثر، وعنوانه خلق الفوضى لمنع استقرار أي حكم يرفض الهيمنة الأميركية. لكن، من الجيد تذكير كل هؤلاء بأن الخصم الذي تواجهه الولايات المتحدة تعلّم الكثير من دروس الماضي. ويعرف كيف يتعامل مع أبناء جلدته، ويجيد التمييز بين المضلَّل وبين العميل المتورط. لكن، متى حانت اللحظة، فالضربات لا توجه إلا إلى المسؤول الفعلي عن كل هذا الشر…

لنصبر وننتظر!

“الاخبار”اللبنانية