aren

المستقبل \\ بقلم : د.ناديا خوست
السبت - 9 - أكتوبر - 2021

كنت في الصف الثامن يوم بدأت أمامي عطلة صيفية ما أكثر ما يمكن أن أعمله فيها. رسمت مكتبة من قضبان خشبية وسجلت مقاييسها، واشتريت قضباناً من دكان النجار، أخي زميلتي، قصّها لي في تلك المقاييس. بالمسامير والمطرقة أنجزتها ورتبت فيها كتبي. صارت فرجة. قالت إحدى الجارات لأمي: لو لم تكن النجارة مهنة رجالية لأصبحت ابنتك نجّارة. ابتسمتُ لها، لكن رأيها بدا لي سخيفاً. تفكر في مستقبلي وأنا نفسي لم أقرر بعد ما سأكون! لا أعرف بعد هل سأكون طبيبة أم معلمة أم رسامة، وجارتي تسبقني فتفكر لي بمهنة! كنت قد كتبت جواباً للمعلمة اليوغوسلافية التي تدرّسنا اللغة الإنكليزية على سؤالها ما هو هدفكم في الحياة: “أن أكون طيبة، محترمة، وأعيش في سلام”. أعجبت المعلمة بجوابي. ولم أعرف يومذاك أن الجملة التي كتبتها من الكلمات الإنكليزية التي أعرفها، تشترط أصعب ما تؤسس عليه المجتمعات.

في فيض من النشاط جمعت أحذية أهلي ودهنتها بالبويا، وعندما نشف دهنتها بدهن اللوز. أصبحت براقة كأنها جديدة. تكوّم فوقي رضاهم، لكنهم صاروا يطلبون مني أن ألمعها بين أسبوع وآخر. روت أمي ذلك للجيران لتظهر رضاها علي. لكن جارتنا طويلة اللسان، التي بحثت عن مستقبلي، قالت لها: بعد النجارة، نزلت إلى مسح الكنادر؟

وقتذاك فكرت في أن الإنسان مهما كانت مهنته يجب أن يلمّع بنفسه حذاءه. لكن أين يقع المستقبل؟ وأية إشارات ألتمسها إليه؟ مشيت إلى سوق المسكية قرب الأموي. وما أحلى المشي في حارات تتصل بحارات، لا صوت فيها غير صوت الخطوة! تفرجت على الكتب القديمة المعروضة في سوق الكتب. في الكتب فقط يستطيع الإنسان أن يلمح الإشارات إلى مستقبله! وجدت كتاباً عن ماري كوري فيه صورتها مع زوجها بيير كوري على دراجتين. استبقيت الكتاب في يدي، مع أنه كان مهترئاً. ووجدت كتاب تفسير الأحلام لابن سيرين. اشتريت الكتابين وعدت. قلت لنفسي: سأكتشف من الكتاب الأول حياة عالمة حدثتنا عنها المعلمة، وسأعرف مستقبلي من الكتاب الثاني.

وضعت الكتاب الأول على مكتبتي ذات القضبان، وانحنيت على ابن سيرين. بدا مملاً، لكني ألزمت نفسي بقراءته. في بعض الصفحات كبحت ابتسامتي لأن التلميذة يجب أن تحترم ما في الكتب. لكن بدا لي أن الأشخاص الذين يفسر لهم أحلامهم مختلفون عنا وأحلامهم معقدة تختلف عن أحلامنا. يحلمون بالملائكة واللقاء بالأنبياء. أو يرى الواحد منهم نفسه ميتاً، أو مدفوناً في القبر من غير موت، أو يرى لنفسه رأسين. يحلم الناس الذين أعرفهم أحلاماً أخرى. مثلا ًرأت أمي مرة أنها وهي مسافرة إلى بيروت اكتشفت في الطريق أننا اختفينا فاستيقظت خائفة وتفقّدتنا في أسرتنا. وحلمت أنا مرة بأني وقعت من أعلى السلم فاستيقظت ووجدت أن اللحاف وقع على الأرض وأني أرتجف من البرد.

مع ذلك، أوحى لي الكتاب بأن الأحلام إشارات إلى ما نتمناه، أو ما فقدناه، أو ما يشغل بالنا. وعندما بدأ الجيران يقصدونني ويروون لي أحلامهم لأفسرها، كنت أؤكد لهم أن أحلامهم لم ترد في كتاب ابن سيرين، لكن استناداً إليه أظن أن حلم جارتنا بأنها في موقف سيارات السفر إلى حلب، يعني  أنها ستلتقي بابنها المجند في حلب، وقد يكون في الطريق إليها. مصادفة وصل ابنها في اليوم التالي. فقصدني جيران آخرون لأفسر أحلامهم. وبما أني تلميذة في المدرسة والعلم يعارض التنجيم، كررت لهم أن كتاب ابن سيرين لا يفسر أحلامهم، لكني استناداً إلى الإشارات، أظن.. قاطعوني قائلين: روحك مكشوفة والملائكة توحي إليك.

حاولت في تلك الأيام أن أحلم. كنت أغمض عيني وأنتظر النوم والحلم. لكن كأن الأحلام هجرتني. وهكذا كان يجب أن أبحث عن سبيل آخر ألمح فيه إشارات أكثر وضوحاً إلى المستقبل. مشيت مرة أخرى إلى المسكية. وجدت كتاباً عن قراءة الكف واشتريته. انحنيت على الخطوط المرسومة فيه. خط الحياة، خط القلب، خط العقل، خط الصحة، والخطوط التي تقطعها. طبّقت ذلك على كفي، ثم امتدت أمامي أكف الجارات وأولاد الجيران. أمتعني استماعهم إلي. وشاركوني أحياناً في تأمل الخطوط والاستنتاج منها. بعد انصرافهم ذات يوم استلقيت على سريري، وضعت ذراعيّ تحت رأسي، وفكرت. بدا لي أن الناس يتمنون معرفة مصائرهم. يريدون ملامسة الحلول لمشاكل محددة تؤرقهم الآن، ويرغبون في معرفة تفاصيل الزمن البعيد. وكأنهم يكررون ما يحدث لي عندما أقرأ رواية مشوقة، فأقفز إلى الصفحات الأخيرة منها لأعرف مصائر شخصياتها، ثم أعود مطمئنة إلى الصفحة التي وصلت إليها لأستمتع بالرواية. لذلك لم أعد ألومهم على لهفتهم وأنا أحدثهم عن حياتهم. وصرت أتأنى في الحكي. أفكر في كل منهم، وأشعر بالشفقة على من تستعجل معرفة كيف سينتهي خلاف ابنها مع زوجته، ومن تتمنى أن تعرف هل ستوفق ابنتها في دراستها، ومن تقلق على مشروع تجاري رمى فيه زوجها نفسه. ويريدون، جميعاً، أن يعرفوا هل سيكون أولادهم الصغار ذوي شأن في الحياة لهم أعمال ومهن وبيوت وأولاد.

هكذا دفعتني أشواقهم لاستشفاف المستقبل، إلى تفكير يتجاوز عمري، وحنان يفترض في الكبير على الصغير لا العكس. خلال ذلك شغلوني عن البحث عن إشارات إلى مستقبلي. فتركت كتاب ابن سيرين وكتاب قراءة الكف، وانصرفت إلى الكتاب الذي يروي حياة ماري كوري مع صورها. أعجبني أن تكرس حياتها للعلم، وأن تحب رجلاً يعمل معها، ويجريا في هوى واسع. تبعتهما وهما يتنقلان في شهر العسل على دراجتين في الريف. سحرتني صورتهما في مخبر علمي. وكأني وجدت الإشارات إلى المستقبل التي أبحث عنها ولم أجدها في كتاب تفسير الأحلام وقراءة خطوط الكف. قلت لنفسي: سأكبر وأدرس في الجامعة، ثم سأكرس نفسي لمهنتي، وسيكون تأسيس الأسرة في ظلال ذلك المسار.

صعدت إلى السطح. رأيت سماء واسعة تلمع فيها نجوم لا تحصى، بدت عميقة بالرغم من الليل. وأدهشني أن الناس تركوا السطح للمداخن ونشر الغسيل بدلاً من تأمل الكون الجميل. هنا يستطيعون أن يفكروا بصفاء في المستقبل ويتركوا الغرف المغلقة التي تضخّم الهموم.

عندما كبرت قرأت كتاب فرويد عن الأحلام. وبدا لي أنه تعبير آخر عن رغبة الإنسان في معرفة حياته، وشوقه إلى من يحدثه عنها. وأن هذه الأشواق هي الدافع إلى كتابة الروايات وقصائد الشعر، والتنقيب في الأفلاك، والبحث في عواصف الأرض، وتاريخ الإنسان، ومكاننا في الكون.

أتذكر اليوم مشفقة بحثي وبحث جيراني عن المستقبل. وأفهم أن الحق الإنساني في معرفة الطريق الآمن إليه مسألة كبرى، تتصل بنهج المجتمعات السياسي والاقتصادي. وأقول لنفسي: كم كانت تلك الأيام نضرة عندما كنا بسطاء حالمين نلتمس الإشارات إلى المستقبل كأنه هدية من هدايا الملائكة! وكم أصبحنا قلقين عندما أصبحنا واقعيين ينغمسون في الصراعات الكبرى لتأسيسه!