aren

المستقبل الذي حضر دون استئذان (13) : الجامعات \\ كتابة : جهاد الزين
السبت - 11 - يونيو - 2022

(هذه التأملات مهداة إلى الزميلة الراحلة شيرين أبو عاقله التي كانت شاهدة وأصبحت شهيدة نظام التمييز العنصري الإسرائيلي)

تتواصل ثنائية التقدم العلمي – السياسي والتمييز العنصري في إسرائيل إلى أن تصبح هذه الشخصية الإسرائيلية المزدوجة إحدى معادلات المنطقة الكبرى لاسيما أن هذا النظام هو الوحيد المتبقي من نوعه في العالم كنظام تمييز عنصري. وهذا تصنيف أصبح شائعا حتى في وسط النخبة والإعلام الأميركيّين اللذَيْن ينظران بتأييد إلى تحوّل إسرائيل إلى قوة عظمى إقليمية و”واحة ديموقراطية” وتقدم في التكنولوجيا العالية ولكن جزءا متزايدا من هذه النخبة بات يحذِّر من الوجه العنصري لإسرائيل وإن كانت قلة سياسية وثقافية فيه تجرؤ على التصريح بذلك.

أقلقت  عملية تفجير مرفأ بيروت النخب اللبنانية بعمق لما تعنيه مباشرةً من دعم مباشر  للمزيد من تقدم وتطوير ميناء حيفا الذي يحظى برعاية استثمارية صينية بين الرعايات العملية التي يحظى بها. لكن تحولات المستقبل التي تتجاوز لبنان وبدأت تشمل أجزاء واسعة من العالم العربي وتركيا تجعلنا نطرح السؤال الاستراتيجي:

ماذا لو بدأ التقدم التكنولوجي والاقتصادي الإسرائيلي، لاسيما في ظل قيام علاقات ديبلوماسية وحتى تحالفية بين إسرائيل وعدد متزايد من الدول العربية بعد مصر والأردن والمغرب ودولة الإمارات والبحرين، ماذا لو أخذ هذاالتقدم الإسرائيلي ينعكس في بدء ظاهرة التحاق طلاب عرب من الدول المذكورة وغيرها المرشّحة لإقامة علاقات ديبلوماسية كاملة مع إسرائيل، التحاقهم بجامعات إسرائيلية تملك السمعة العلمية والاعتراف الأميركي والغربي بقدراتهاالتعليمية والبحثية؟

طبعا من الطبيعي الإشارة إلى  الطلاب من عرب 48. أي العرب الفلسطينيين الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية.

من الجدير ذكره حسب أرقام مجلس التعليم العالي الإسرائيلي أن عدد الطلاب من عرب 48 في التعليم العالي الإسرائيلي ازداد بأكثر من الضعف بين عامي 2008 و2018 ليبلغ 48 ألف طالب عام 2018 و51 ألف طالب عام 2019 أي 18 بالماية من مجموع الطلبة الجامعيين الإسرائيليين عام 2019 والبالغ عددهم 313 ألف طالب جامعي. و61 بالماية من هؤلاء الطلاب هن من الأناث.

ولكن ليس هذا موضوعنا هنا وإنما أثر التطبيع احتمالاته على بدء استقطاب الجامعات الإسرائيلية لطلاب عرب من خارج إسرائيل؟

إن عامل القرب الجغرافي وبالتالي التوفير المالي قد يكون حاسما لاحقا في اتجاه طلاب عرب غير فلسطينيين للدراسة في إسرائيل إذا كانوا يضمنون الاعتراف الأكاديمي المتكافئ بشهاداتهم في الغرب والعالم؟

راقب الإسرائيليون بطول بال في الخمسينات والستينات من القرن المنصرم كيف كانت جامعات بيروت ومدارسها محل استقطاب عربي وغربي لاسيما الجامعة الأميركية والجامعة اليسوعية  ولاحقا جامعات قليلة أخرى بينما حتى اليوم في هذا الزمن اللبناني البائس لا يستطيع أحد، أي نظام تعليمي في المنطقة بمن فيهم إسرائيل، أن ينافس الشبكة النخبوية من المدارس الابتدائية والثانوية المثلّثة اللغات العربية والفرنسية والإنكليزية في لبنان.وهذه الشبكة هي مزيج من مدارس الإرساليات والجمعيات الخاصة بعدما اسْتُبْعدتْ من المنافسة بسبب الحرب اعتبارا من العام 1975 بعض المدارس الثانوية الرسمية التي كان النظام التعليمي اللبناني قد نجح في إقامتها منذ منتصف الستينات ولا زالت متدهورة كمعظم فروع الجامعة اللبنانية التي تحوّلت مع الوقت، لاسيما بعدما أطبق عليها النظامُ الميليشياوي، إلى فضيحة تربوية استراتيجية وجعَلها بنية متدهورة أكثر ومستعصية باتت تشبه النظام السياسي اللبناني نفسه. ثم جاء الانتشار الدكاكيني الذي يحمل العنوان “الجامعي” في القطاع الخاص.

من المشاكل التي يواجهها الطلاب والباحثون العرب في الغرب أنهم حيث تابعوا ندوة علمية أو نشاط بحثي من الصف الأول فإن الباحثين الإسرائيليين يكونون موجودين بسبب حجم الانخراط العميق للجامعات ومراكز الأبحاث الإسرائيلية في أعلى منتديات البحث العلمي الغربي سواء العلوم الإنسانية أو العلوم العلمية.  والطلاب العرب جلّهم مستاؤون طبعا من السلوك الإسرائيلي العنصري حيال الشعب الفلسطيني ولا يرغبون بأي علاقة في ظل الحالة القائمة في الأراضي المحتلة ولكن ذلك قد يتحوّل إلى إحراج كبير لأنهم ربما واجهوا في المستقبل وضعاً  عليهم فيه  أخذ خيارات شخصية  (في الغرب)مُكْلفة علميا ومهنيا. ومع ذلك فهم يفعلون ما ينسجم مع قناعاتهم دون انتظار مكافأة معنوية من أحد.

لكن هذه مشكلة مزمنة والتوقعات داخل منطقتنا. فماذا لو بدأ طلاب عرب يلتحقون بجامعات إسرائيلية في السنوات العشرين أو الثلاثين أو الخمسين  الآتية؟

جامعة تل أبيب، الجامعة العبرية في القدس المحتلة، جامعةتكنيون- معهد إسرائيل للتكنولوجيا، جامعة بار إيلان، جامعة حيفا، جامعة بن غوريون في النقب، معهد وايزمان للعلوم، هذه بعض أبرز الجامعات الإسرائيلية  ذات التصنيف الدولي على أصعدة عديدة ولاسيما في مجال الأبحاث فما الذي يمنع لاحقا من أن تصبح بديلاً عن جامعات ماوراء البحار في أميركا وأوروبا بالنسبة لفئات طلابية عربية لا تستطيع تحمل أكلاف التعليم في الجامعات الغربية ويكون هناك عناصر تشجيع في بلدانها على هذا الخيار. هل سيكون من المخيلة أن نرى وضعا كهذا وأن يصبح هؤلاء الطلبة شهودا على التمييز العنصري ضد الفلسطينيين داخل إسرائيل. لم يصل التطبيع مع مصر إلى هذا الحد ولكن من يضمن أن لا تكون مناعة دول عربية أخرى مختلفة عن مصر الدولة والمجتمع المتماسكين والقادرين على جعل التطبيع دولتياً وليس اجتماعيا وفي حدوده الدنيا؟ لاشك أن معيار قبول الحركة الوطنية الفلسطينية بتسوية مع إسرائيل يمكنه أن يكون الحد الفاصل بين عصرين في المنطقة إذا تمكّن الضغط الغربي والدولي من جهة وضغط النضال الوطني الفلسطيني من جهة ثانية من المساهمة في إحداث تغيير إيجابي في المجتمع والنخبة الإسرائيليّين لصالح القبول بهذه التسوية.

من الجدير ذكره أن كل أنواع المضايقات الإسرائيلية الممنهجة تتعرّض لها الجامعة الفلسطينية الأهم وهي جامعة بيرزيت إن من حيث التضييق على استقدام الأساتذة من الخارج، فلسطينيين وغير فلسطينيين، أو في الإقامات أو مصادر التمويل. وهذه الجامعة الريادية في المزاوجة بين المستوى التعليمي والمستوى النضالي ضد الاحتلال باتت جزءا مضيئا من الشخصية الوطنية الفلسطينية منذ زمن طويل.

في “الإعلان العالمي حول مستقبل الإنترنت” الذي وقّعته ستون حكومة في البيت الأبيض في الثامن والعشرين من شهر نيسان المنصرم وبمبادرة من الولايات المتحدة وأوستراليا وكندا والاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة تأكيد على ضرورة احترام استخدام الإنترنت لحقوق الإنسان الأساسية والتأكيد على أن يكون هذا الاستخدام دون أي تمييز قائم على الجنس والعرق واللون والإتنية والأصل الاجتماعي والوطني واللغة والدين….”. والدول التي أطلقت هذا الإعلان والتي تعي طبعا صلة هذه الكلمات الواضحة الإدانة بالوضع في الشرق الأوسط هي كلها دول صديقة لإسرائيل، بل دول حليفة استراتيجياً لها.

إن دولة كإسرائيل تتباهى بكونها أصبحت دولة إنترنت  بشكل كامل ( تباهى رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق بنيامين نتنياهو في مؤتمر دافوس قبل سنوات بأن البقر أصبح  مُؤَتْمَتاً في إسرائيل) دولة كهذه لا يمكنها أن تستمر كدولة تمييز عنصري إلى ما لا نهاية دون أن يحصل تغيير عميق في بنيتها نفسها. ومن المثير أن يترافق الصعود السياسي والعلمي للكيان العبري مع سقوط أخلاقي له باتت تستشعره وتقلق حياله بشكل متزايد نخبُ الجماعات اليهودية في الدياسبورا رغم هيمنة اليمين المتواصلة على الحياة السياسية داخل الدولة. إن مشهد التنكيل الذي قامت به الشرطة الإسرائيلية خلال جنازة شيرين أبو عاقلة والاعتداء غير المسبوق على حاملي نعشها وما أظهره من عنصرية مؤسّساتيّة هزّت صورُها العالمَ يدل أن التعايش القائم بين التقدم العلمي والتمييز العنصري لا يمكن لهذا العالم مهما كان مختل التوازن الأخلاقي أن يستوعبه دون بروز ممانعات مفاجئة ولو كانت إسرائيل في ذروة قوتها لا فقط العسكرية بل العلمية والاقتصادية.

لكن هذاالوضع كيفما قلّبناه لايلغي ضرورة التفكير العربي الجريئ بالتحديات المستقبلية التي تواجهها منطقتنا.  هناك دول عربية من موقع حقوقها السيادية وتفكيرها الاستراتيجي أخذت خيارات جريئة وهي خيارات يمكنها، ليس فقط في  أن تتحوّل إلى عنصر دعم ودفع سلمي لحركة الحقوق المدنية الفلسطينية في الداخل بل أيضا إلى المساهمة في إقناع الشعب الإسرائيلي بأنه لا يمكن لدولته أن تستمر في وضع تعاملها الراهن…

لا يمكن فصل رياح التغيرات التي تهبّ من مرفأ حيفا عن “المرافئ” المحيطة. “المرافئ الصحراوية” كما يسمّي أرنولد توينبي المدن السورية وكما تصلح التسمية على كل المدن المجاورة للصحارى بين بغداد والموصل وبين طهران وشيراز وكل مرافئ المدن القلقة. كيف لناظر في المنطقة أن لا يأخذ بعين الاعتبار أن هناك ميناءً صينيا في اليونان قرب العاصمة وآخر تُحَدِّثُه الصين في حيفا داخل إسرائيل وقاعدة عسكرية صينية في جيبوتي وكادت قاعدة عسكرية صينية أخرى تكتمل على ميناء إماراتي لولا الضغط الأميركي المتشدد الذي أوقف العمل؟

الجامعات.. مرافئ العالم الأكثر حداثة، والأمكنة الشبابية الأكثر حساسيةً حيال الانحطاطات اللاأخلاقية  في عالم اليوم، هل هي صدفة أن تكون (الجامعات) في الغرب البيئة المؤسِّسَة لحركة نخبوية مهمة في  مقاطعة إسرائيل؟ الأمور ليست مفتوحة لتحولات بلا حساب ولا ضوابط ولكن وحشية التخلف لا تستطيع دائما أن تحد “وحشية” (بمزدوجَين ومن دون مزدوجَين) التقدم والتفوق الحضاري.