aren

المأزق التركي \\ كتابة : د.محمد نور الدين
السبت - 18 - أغسطس - 2018

 

اردوغان

تواجه تركيا تحديات كبيرة على أكثر من صعيد، وفي أكثر من مكان.»الحرب» الأمريكية على تركيا هي واحدة من تجليات الأزمات التي تواجه أنقرة.

بعض الخطوات التركية في السياسة الخارجية استثارت واشنطن التي نفد صبرها في الآونة الأخيرة مع دونالد ترامب. ولا يختلف اثنان على أن التقارب التركي مع روسيا، وإبرام صفقة بيع صواريخ إس 400 خرق خطير لمنظومة الدفاع الأطلسية. ومن هنا كان قرار الكونجرس، وتوقيع ترامب، يوم الاثنين الماضي، على قرار بتجميد تسليم طائرات «إف 35 «المتطورة إلى تركيا لمدة 3 أشهر الأقل.

اعتقال القس الأمريكي ادوار برانسون، ومن ثم فرض زيادة 25 في المئة على مستوردات الحديد والألمنيوم التركية، ليسا سوى حلقة من حلقات التحذير الأمريكي. ومع أن المسألة لا تقتصر على تركيا، فترامب يخوض حروباً ضد العالم كله، بمن فيه حلفاء مثل فرنسا وألمانيا، وأوروبا عموماً، لكن لأمريكا تصفية حساب مختلفة مع تركيا.

لا نذهب بعيداً في التاريخ الحديث، لكن منذ غزو العراق وواشنطن مستاءة من تركيا التي رفضت المشاركة في الحرب، ومن ثم رفضت الانخراط في السياسات الأمريكية الخاصة بأكراد سوريا. فضلاً عن أن سعي أردوغان للقبض على منطقة الشرق الأوسط كان تهديداً لسياسات الهيمنة الأمريكية.

إعلان أنقرة أنها لن تلتزم بعقوبات أمريكا على إيران كانت القشة التي قصمت ظهر البعير. فبدأت حرب الدولار على الليرة التركية التي فقدت 40 في المئة من قيمتها خلال أسبوعين. هذا أمر غير مسبوق حتى في ذروة الأزمة الاقتصادية في 19 فبراير/ شباط 2001 في عهد حكومة بولنت أجاويد التي استفاد منها حزب العدالة والتنمية ليفوز في انتخابات نهاية العام 2002.

من مفارقات الحرب الأمريكية – التركية الاقتصادية أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قال إنه «إذا كانت أمريكا عندها الدولار، فنحن عندنا الله».

هذا من كلاسيكيات حزب العدالة والتنمية التي برع أردوغان في استخدامها. هذا لا يعني أن على الدول التي تعترض على سلوكات أردوغان ألا تستفزه حتى لا يعزز سلطته.

في كل مرة كانت سلطة أردوغان تواجه مشكلة كان الخيار الذهاب إلى خطاب شعبوي يعزف على الحساسيات الدينية، أو القومية، ويحوّلها إلى مشكلة وطنية. الأكثر مفارقة أن أردوغان كان يستغل الأزمات «الوطنية» ليس من أجل تحصين البلاد ضد التدخلات الخارجية، بل من أجل تعزيز سلطة الرجل الواحد.

وبعد انقلاب 15 يوليو/ تموز 2016 ذهب أردوغان إلى تعديلات دستورية جذرية لإقامة نظام رئاسي، وهو ما حصل، ملغياً كل الآخرين.

اليوم، مع الضغوط الأمريكية على تركيا يدعو أردوغان إلى التخلي عن التعامل بالدولار، واللجوء إلى العملة الوطنية. وفي هذا التوجه تجاوز للنظام المالي العالمي المعتمد الذي لا تتجرأ حتى روسيا والصين على تجاوزه.

ما تواجهه تركيا من تحديات أنها اعتمدت سياسة اللعب على التناقضات، خصوصاً في سياستها الخارجية. فقد اعتمدت تركيا سياسات تنسجم مع مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي دعت إليه إدارة جورج دبليو بوش، وأعلن أردوغان في العام 2005 أنه الشريك الموازي في ترؤس هذا المشروع.

لكن بموازاة ذلك كان أردوغان يحضّر مع احمد داود أوغلو، وعبدالله جول لمشروع العثمانية الجديدة التي تريد الهيمنة على المنطقة عبر أنظمة موالية لها، عمادها تنظيمات الإخوان المسلمين. لكن فشل المشروع في مصر وتونس وليبيا والخليج العربي، كما في سوريا، أوقع تركيا بين فكي كماشة لا تزال تكابر لكي تخرج منها سالمة.

فالتقارب مع روسيا وإيران لم يكن بالنسبة لتركيا سوى خطوة تكتيكية لتقطيع الوقت إلى حين عودة العلاقات سوية مع الولايات المتحدة والغرب. وليس تهديده روسيا بإنهاء مسار أستانة في حال حصل هجوم على إدلب سوى مثال على سياسة المراوغة التركية مع روسيا. يكابر أردوغان لكي يبقي مشروعه العثماني نابضاً، ولو في حده الأدنى، وباتت خياراته محدودة. إما التقارب الجدي مع روسيا وإيران والصين كما يلوح في خطبه، وإما العودة إلى بيت الطاعة الأمريكي. أما الاستمرار في منزلة بين المنزلتين فله كلفته الباهظة التي بدأنا نشهدها الآن والتي لها ما بعدها.

“الخليج”