aren

اللاجئون السوريّون.. وعودتهم \\ كتابة : سمير العيطة
الإثنين - 4 - أكتوبر - 2021

ترتفع أصوات فى تركيا ولبنان، وإلى حدٍّ ما فى الأردن، تطالب بإعادة اللاجئين إلى سوريا. تنبع هذه المطالبات من مناكفات سياسيّة داخليّة فى هذه البلدان ومن طروحات «شعبويّة» مثلما تلك المناوئة للاجئين والمسلمين فى الانتخابات الأوروبيّة. وتعتمد على حججٍ تقول إنّ سوريا باتت آمنة وأنّ «التطبيع» التدريجيّ الذى يجرى مع الدولة السوريّة، بالرغم من عدم تغيّر السلطة القائمة عليها يجب أن يترافق مع إعادة اللاجئين أو أنّ الأوضاع الاقتصاديّة والاجتماعيّة فى البلدان المعنيّة قد تدهورت نتيجة احتواء هؤلاء اللاجئين، وأصبح من العسير احتمالهم. إلاّ أنّ هذه المطالبات تصطدم بالوقائع سواءً داخل سوريا أو فى البلدان المضيفة.

فى سوريا نفسها، هناك أيضا نازحون داخليّون بما يقارب أعداد الذين لجئوا إلى الخارج. ولم يعُد هؤلاء إلى مدنهم وأحيائهم وقراهم، حتّى فى كلٍّ من مناطق الانقسام السورىّ الثلاث. بل اختلطت قضيّة النزوح الداخليّ مع تسارع الهجرة من الريف إلى المدينة، خاصّة مع انهيار القطاع الزراعى فى البلاد. وكذلك اختلطت مع التغيّرات الديموغرافيّة الاجتماعيّة فى جميع مناطق البلاد سويّةً، ما يقوّض الشبكات الاجتماعيّة المحليّة التى تلعب دورا رئيسا فى هذه العودة. من ناحية أخرى، تدلّ مسوحات الأمم المتحدة أنّ معظم اللاجئين فى تركيا قَدِموا من المناطق الشماليّة فى سوريا، بما فيها الشمال الشرقى. وهذه المناطق غير آمنة حيث تستمرّ المعارك والفوضى فيها. أمّا اللاجئون إلى لبنان فمعظمهم من مناطق حمص وحلب وحماه وإدلب والرقّة، فى حين لم يعُد النازحون إلى حمص رغم انتهاء المعارك فيها منذ زمنٍ طويل. فكيف يعود اللاجئون إذا لم يعُد النازحون؟ خاصّةً وأنّ المناطق الآمنة نسبيّا، فى دمشق مثلا، هى بالتحديد تلك التى يكتظّ بها النازحون.

•••

تشير المقارنات العالميّة أنّ اللاجئين لسنوات طويلة لا يعودون إلاّ ببطء وأنّ المناخ الآمن هو العامل الأساس الذى يدفع لعودتهم تتبعها الآفاق الاقتصاديّة وتواجد الخدمات العامّة بالحدّ الأدنى. ولا يرتبط الشعور بالأمن فقط بالمناخ العامّ وإنّما أيضا بالأمن الفرديّ، وهناك أمور كثيرة عالقة فى هذا الخصوص بدءا من المعتقلين والمختفين قسريّا مرورا بالخدمة الإلزاميّة للشباب فى ظلّ حربٍ لم تنتهِ وإن انخفضت وتيرتها حتّى قضايا عدم تسجيل المواليد الجدد والتعدّيات على حقوق الملكيّة أو الحقّ فى المدينة بشكلٍ عام. كذلك ترتبط العودة بالشبكات الاجتماعيّة للأهالى فى حين أدّى الصراع إلى تغيّرات ديموغرافيّة اجتماعيّة فى جميع المناطق، وإلى دمار لا يُمكِن إصلاحه فى مناطق أخرى. فكيف يتأمّن المسكن من يعودون؟

أضِف أنّ الأوضاع الاقتصادية فى سوريا سيّئة للغاية، من جرّاء دمار الحرب والعقوبات الاقتصادية وآثار الأزمة اللبنانيّة، ولكن أيضا السياسات «العامّة» ضمن مناطق الحكومة كما تلك الأخرى. والخدمات العامّة، خاصّةً لناحية الكهرباء والطاقة، متدنيّة بشكلٍ كبير ولا أفق لحلّها بشكلٍ نوعيّ حتّى لو تمّ فتح خطوط الكهرباء والغاز من مصر عبر الأردن بشكلٍ كبير. هكذا لم يعُد النازحون الداخليّون من مدينة حمص إلى ريفها القريب الذى أضحت قراه مدنا صغيرة أسّس فيها النازحون نشاطاتهم الاقتصاديّة وحرفهم ومعاملهم. فلماذا يعودون ويتركون ما أمّن لهم رزقهم بالحدّ الأدنى خلال سنوات؟ هكذا لن تكون هناك عودة للنازحين أو اللاجئين إن لم يكن هناك إعادة تشغيل للاقتصاد وكفّ يد «أمراء الحرب» وبالتالى إيجاد سبل لكسب العيش. هكذا تصطدم العودة بمعوّقات داخليّة فى كلّ المناطق وكذلك بسياسات الدول الخارجيّة التى تمنع تمويل نشاطات «إعادة الإعمار».

واللافت فى هذا الصدد أنّ المطالبات بإعادة اللاجئين تأتى فى وقتٍ تتصاعد فيه الهجرة من سوريا من جديد، خاصّة هجرة الناشطين اقتصاديّا وأرباب الأعمال من مناطق الحكومة (نحو مصر خاصّةً) وكذلك من مناطق الشمالين الشرقى والغربى، رغم مخاطر هذه الهجرة عبر الحدود أو البحر. ولغياب الأفق وخاصّةً الاقتصاديّ والمعيشيّ دور كبير فى ذلك. بل تتصاعد حتّى رغبة اللاجئين إلى الجوار فى الهجرة ثانيةً نحو أوروبا وبلدانٍ أكثر استقرارا. فكيف يعود اللاجئون والنازحون ويعود النشاط الاقتصاديّ إذا هاجرت أغلب الكفاءات بعيدا حتّى عن دول الجوار؟

إنّ شعوب الدول المجاورة «مشكورة» على احتضانها لسنوات أعدادا كبيرة من اللاجئين السوريين. إلاّ أنّ سياسات حكوماتها فى هذا الاحتضان لم تقُم دوما فقط على دوافع إنسانيّة؛ إذ ترافق تواجد اللاجئين مع تدفّق المساعدات الخارجيّة وكذلك تحويلات المغتربين السوريين. كما استفادت من يدٍ عاملة رخيصة، يعمل المؤهّلون منها بأجورٍ زهيدة. وازداد الاستهلاك الداخليّ للسلع والخدمات. هكذا عرفت تركيا كيف تستفيد من هذه «المنّة»، سواءً لناحية المساعدات الأوروبيّة أو لتنشيط جنوب شرق الأناضول حيث يغذّى الاقتصاد احتياجات العراق وإيران. بل عملت على تجنيس أغلب أصحاب الكفاءات وأرباب العمل. ما خلق هوّةً اجتماعيّة بين من لجأ إلى تركيا ومن نزح إلى الشمال الغربيّ. كما أن كثيرا من اللاجئين السوريين إلى لبنان كانوا أصلا يعملون كـ«هجرة دائريّة» قبل الأزمة فى سوريا، واستقدموا بعدها بعائلاتهم إلى لبنان.

•••

بالتالى، من الصعب توقّع أن يعود كلّ اللاجئين السوريين إلى بلادهم حتّى بعد حين، خاصّةً أولئك الذين وصلوا إلى أوروبا أو تركيا، أو حتّى مصر، وجهدوا للحصول على فرص شغل وأنشأوا عائلات وحصلوا على حماية اجتماعية، صحيّة وغيرها، وخدمات غير موجودة لا فى سوريا ولا فى دول الجوار العربيّة. من ناحية أخرى، لا يبدو أنّ عودة هؤلاء اللاجئين، أو حتّى النازحين الداخليين، يشكّل همّا أساسيّا للسلطة السوريّة المهتمّة فقط بـ«صفقات ما بعد الأزمة». ومؤسّسات الدولة أصلا منهَكة لتأمين الغذاء والخدمات بحدّها الأدنى للمقيمين الموجودين حيث هم. وقد ازدادت أعدادهم ليصل سكّان سوريا إلى ما كانت عليه قبل الأزمة.

ربّما يؤسّس الانفتاح الجديد مع الأردن، للحدود كما بين الدولتين، لبداية فى موضوع عودة الحركة بين السوريين على طرفى الحدود. إذ إنّ أغلب اللاجئين إليه هم أصلا من حوران السوريّة. إلاّ أنّ الطرح الجديّ لقضيّة عودة اللاجئين يتطلّب ما هو أبعد من ذلك بكثير وأوسع ممّا تمّت مناقشته فى مؤتمرٍ عُقدَ فى تموز (يوليو) الماضى فى دمشق حول الموضوع بدفعٍ من روسيا الاتحادية.

غالبا ما يتمّ نسيان أنّ قرار مجلس الأمن 2254 يؤكّد أيضا على «الحاجة الماسة إلى تهيئة الظروف المواتية للعودة الآمنة والطوعية للاجئين والنازحين داخليا إلى مناطقهم الأصلية وتأهيل المناطق المتضرّرة». ما لا تهتمّ به أغلب الأطراف السوريّة والدولية. كما يغيب الجهد الجدّى لدى السوريين، وبينهم وبين شعوب وحكومات دول الجوار حول إشكاليّات هذه العودة، كما تندُر الجهود حول حقوقهم سواء فى دول اللجوء أو فى سبيل عودتهم.

فى المحصّلة، لا بدّ أن تتخطّى قضايا النازحين واللاجئين السوريين ذهنيّات الهيمنة والتقسيم والمهاترات ويتمّ وضع إشكاليّاتها الواقعيّة كأرضيّة لنشر الوعى الاجتماعى.

“الشروق”المصرية