aren

الكوميديا السورية ، هل أصبحت مجرد عنوان ؟… و”أزمة عائلية” تبرهن المقال \\ تكتبها : د.عفاف الشب
الإثنين - 12 - يونيو - 2017

أزمة ” أزمة عائلية ” لا يقع اللوم فيها على الكاتب (شادي كيوان) … بل على مؤسسة (الإنتاج الفني ) التي باتت لها شهرتها في انتقاء النصوص غير المناسبة

“أزمة عائلية ” جاء خاليا من النكتة الحقيقية … والحوار كان صلبا جافا وبطيء الايقاع … ليفقد خفة الظل المطلوبة … والمسلسل وضع المخرج هشام شربتجي في موقف حرج لا يتناسب مع تاريخه في خلق كوميديا سورية 

هل صحيح أن ” أزمة عائلية ” كتب ل” أيمن زيدان ” الذي رفض العمل ما دفع مؤسسة الانتاج الى التوجه ل “رشيد عساف ” …؟!!

“رشيد عساف” له كاريزما خاصة لم تساعده في (أزمة عائلية )… و”رنا شميس” التي أضكحتنا وأبكتنا معا في (ضبوا الشناتي) لم تكن هي رنا شميس ذاتها في ” أزمة عائلية ” .

تكتبها : د.عفاف الشب 

السؤال الذي يطرح نفسه،هل استطاعت الكوميديا السورية أن تسهم في حالات الانعاش، وان تنجح في حمل الابتسامة الى أفواه نسيت نكهة الطعام ،وانقبضت الشفاه في فجوات الحزن المرير لسنوات طوال ؟

إن قصدنا ، هو تحقيق الأمانة استنادا على الحقائق والوجدان كعادتنا في تلك المكاشفات ، التي يراد بها خيرا ، فاني سأقول :

لا ، بكل صراحة لأن الدراما عموما هذا العام ، لم تستطع جذب المشاهد من أقبية الصمت الكئيب الى بساتين المرح المنشود ، الذي عرفه الشعب السوري طويلا وعاش في كنفه مسحورا ، وهو الذي اشتهر بميله الى البحث عن ضحكة صافية .

وفي بعض المتابعة عن فحوى المكاشفة ، سأتوقف في محطة ميمونة للمخرج الكبير”هشام شربتجي” الذي يعتبر مؤسس الأعمال الكوميدية ، بل والمشرف الأقوى تأثيرا وحضورا ، على كوميديا المتعة اللطيفة ، في أجواء ظريفة .

2164_1251784370

المخرج هشام شربتجي

وذلك بعد أعمال الفنان المتآلق أبدا ” دريد لحام ” ، الذي أسس من أيام الابيض والاسود ، كوميديا نوعية هادفة ومسلية معا ، تجاوزت الزمان والمكان بمسافات لا حدود لها ، حين استطاع مع رفاق الدرب مثل ( ناجي جبر ونهاد قلعي ورفيق سبيعي … ) تقديم وجبات لذيذة لمحبي الكوميديا الخفيفة وهواة الدعابة المحببة الأليفة ، التي اشتهرت بها بعض الشعوب العربية في سورية ، مصر ، ولبنان ..

وفي العودة الى المخرج هشام شربتجي ، فلا يمكن الحديث عن عمله الاخير ” أزمة عائلية ” دون زيارة أعماله السابقة ، وخاصة ” عيلة خمس نجوم” ، الذي نال في بعض أجزائه ، القبول والاستحسان..

لقد قدم شربتجي في “عيلة خمس نجوم” ومسلسل “جميل وهنا ” ، عروضا جديدا للكوميديا ، التي لها مقولة ربما فيها مبالغة (ما ) في الاقتراب أحيانا من بعض التهريج ، لكنها لا تضعف أهميتها لأنها تربعت عرش الكوميدية السورية ، سنوات مديدة.

وقبيل المتابعة في توصيف مسلسل ” أزمة عائلية ” ، وهل نجح هشام شربتجي كعادته في إيصال البسمة ، من خلال طرح موقف فيه طرافة وخفة ظل ؟ لا بد من التعريج قليلا ، على معنى كلمة الكوميديا ، وأهدافها بشكل عام .

1-rana-chames-4-28-11-2016

رنا شميس

معنى ” الكوميديا ” وأغراضها وأشكالها ، كما جاء في كتب التاريخ والأدب : الكوميديا ، تعني الملهاة ، كما عرفت في بلاد الإغريق ، أثناء أعياد الإله “ديونيسوس” اله الخصب والخمر ، وله عيدان ، أولهما : وقت زرع البذور ، وثانيهما : وقت الحصاد الذي تكون فيها الاحتفالات حزينة ، أما في أعياد الزرع ، فتعم السعادة ويعلو الغناء ، ويتم تبادل النكات اللاذعة والسخرية بشكل فيه مبالغة وملهاة ، ومن هنا كانت ولادة ” الكوميديا ” .

أنواع الكوميديا الحالية :

منها الكوميديا السوداء التي تنتقد الأفكار والعادات السيئة بشكل فيه ظرف وسخرية وتنال الإعجاب في امتصاص للغضب وافراغ للعتب ، وهناك كوميديا التهريج – كما يقال- التي تأتي بطريقة مبالغ بها ، كأن يضع الممثل أسنان مصطنعة كبيرة ، وباروكة شعر غريبة ، لنجد هنا أعمال ضعيفة ، وهكذا حتى وصلت مؤخرا الى شكل آخر ، وأضحت في كوميديا ” الست كوم ” ، التي يفترض أن تكون هادفة وليست تهريجية ، ولا مبالغ بها ، كما جاء في مسلسل ( بنات اكريبوز) على سبيل المثال..

هنا سأتوقف قليلا لأطرح السؤال التالي ، وهو:  هل كان مسلسل ” أزمة عائلية ” في موسم 2017 على مستوى أستاذ كبير في الإخراج  الكوميدي الذي شهدناه له ؟ والجواب بالتأكيد لا .

والاسباب فيما يلي : أولا الممثل الكبير ” رشيد عساف ” لايمكن أن يكون كوميديا مبدعا وفق الكاريزما الخاصة به وله حضوره المميز في أعمال أخرى .. كما أن الفنانة المتألقة ” رنا شميس ” التي أضكحتنا وأبكتنا معا في (مسلسل الحقائب , ضبوا الشناتي) أحد أهم أعمال الأزمة السورية ، لم تكن هي ” رنا شميس ” ذاتها في ” أزمة عائلية ” .

4786f

رشيد عساف

1475054730.652658.inarticleLarge

من كواليس تصوير مسلسل أزمة عائلية

80befab50-1

أيمن زيدان

ويقال أن النص كتب للأستاذ ” أيمن زيدان ” ، الذي رفض العمل وأن مؤسسة الإنتاج تبتعد بوجه عام عن أقلام الكتاب المبدعين ، ليكونوا على سوية مخرج مثل ” هشام شربتجي ” ، حيث جاءت الحوارات خاوية والنكتة الحقيقية غير حاضرة .

خاصة إن أخذنا بعين الاعتبار ، أن الغاية من الكوميديا ، هي احضار دقائق من السلوى للسفر قليلا بعيدا عن الأحزان ، لكن الحالة هنا لا يمكن تحقيقها انطلاقا من حجم المصائب التي طالت البلاد وكثافة العدوان على الأرض والعباد .

ولهذا ، فان النص كان اقل من أن يتحمل تلك المهمة ، خاصة اننا مازلنا نعيشها ، ولأن الحوار كان بطيء الايقاع من النوع الصلب والجاف ، الذي حاول اضافة بعض المرونة ، فكان أن ضاعت معه المرونة ، وهربت خفة الظل من المسلسل بالمجمل ، لتلوح لنا مشاهد عكسية استهجنها الناس..

شادي كيوان

شادي كيوان – كاتب مسلسل أزمة عائلية

المؤسسة العامة للإنتاج التلفزيوني

هنا قد لا ألوم الكاتب (شادي كيوان) لأن الأعمال الكوميدية ، يجب الا تكون ملاعبها وسط مزارع الدماء ، وهنا ألوم مؤسسة الإنتاج الفني ، التي باتت لها شهرتها في انتقاء النصوص غير المناسبة ، ليكون أستاذ الكوميديا وصانعها ” شربتجي ” ، في موقف حرج لا يتناسب مع تاريخه في خلق كوميديا   سورية ،استقطبت ذات يوم المشاهدين من كل مكان

لمحة عن المدارس الكوميدية :

 في بعض المكاشفة ، لا بد من الاستعانة باسقاطات نوضح فيها ، الفرق بين الكوميديا الهادفة وكوميديا التهريج ..ففي سورية مثلا ، شهدنا الكثير من كوميديا التهريج ، التي تعتمد على استجداء حركة تهريجية قد يضحك لها الصغار كثيرا ويقلدونها بسرور وانبهار.

لكنها افتقدت في معظمها الى كوميديا الموقف ، التي تعالج قضية من خلال كوميديا بعيدة عن السخف والانحدار بالمشهد البصري الى استخدام شعر مستعار واسنان اصطناعية بارزة ، وما الى ذلك من أدوات ، كما فعل الفنان ” أيمن رضا ” في بعض أعماله ، والفنان ” أيمن زيدان ” في الجزء الأخير من ” يوميات مدير عام ” وقد فقد فيه سحره الخلاق , ومن الأعمال التي يمكننا وضعها ضمن قائمة كوميديا التهريج ” فتت لعبت , أيام الدراسة , صايعين وضايعين , سيت كاز ..و..و”…

فإذا انتقلنا الى أكاديميات الكوميديا العربية الحقيقية ، فلا بد من الحديث عن الفنان الكبير ” دريد لحام” ، الذي قارب ” شارلي شابلن ” بسبب جودة صنعاته لشخصية (غوار الطوشة) بنسخة عربية ، مستندا على أدوات من وحي تراثنا الأصيل ، مثل الطربوش و(القبقاب الخشبي ) ، مستغلا الحمام الدمشقي أحيانا ، والمخفر كأرضيات لاستعراضته الكوميدية .

hqdefault

(غوار )

دون أن ننسى ، أنه وظف المسرح ، كحالة واجبة وأساسية لبناء أي عمل كوميدي في مسرحياته الخالدة مثل ( ضيعة تشرين ..غربة ، وكاسك يا وطن ) ، ثم ارتقى بالكوميديا ، حين أدخلها الى منازلنا عبر الشاشة الفضية في أعمال مثل ” عائلتي وأنا ” وما الى ذلك من دعامات ، ساهمت في تنشيط الفكاهة لا تثبيطها أو الوصول الى السخرية من الكوميديا ذاتها ، كفن أصيل يفوق باقي أنواع الدراما من حيث الهدف النقدي منها ، والقدرة على صناعاتها ، وجلب الأنظار الى متابعتها.

أما الأكاديمية العربية الثانية ، فهي تعود للفنان المصري “عادل إمام” الذي تناول قضايا هامة   مستندا على عنصر الإبهار والفخامة لا على الانزلاق في فوضى المظهر والركاكة في الأداء ، كما في مسرحية (شاهد ماشفش حاجة ،الواد سيد الشغال ) ، اضافة الى ( مدرسة المشاغبين،الزعيم ) ناهيك عن مسلسل ” مأمون وشركاه ” ، الذي تناول فيه أحداث الربيع العربي بشكل خفيف وقوي …رزين ، وكوميدي

وهذا مالم يحدث في مسلسل (أزمة عائلية ) ، الذي كان الكثير من المشاهدين ، ينتظرون معه أوبة المبدع (هشام شربتجي) الى كوميديا ، لا اسفاف فيها ولا اخلال بالميزان .

ولكن ماحدث ، شوه الحكاية الكوميدية قليلا ، وأغرق الناس في الكثير من الاستغراب…