aren

الكرة والسياسة : أيهما يستخدم الآخر؟ كتابة : د.عبد المنعم المشاط
الخميس - 14 - يونيو - 2018

 

على الرغم من أن الرياضة، وبالذات كرة القدم تعد من أهم عناصر القوة الناعمة للدولة؛ حيث تغرس صورة ذهنية قوية عنها خصوصاً في حالة فوزها، إلا أنها أيضاً قد تكون مصدراً للخصام والصراع الذي قد يصل إلى حد الحرب الفعلية بين الدول.

هناك لاعبون أعلوا من المكانة العالمية لدولهم؛ مثل: بيليه (البرازيل)، وميسي (الأرجنتين)، ورونالدو (البرتغال)، وزيدان (فرنسا)، ومحمد صلاح (مصر)، وقد يكون هؤلاء مصدراً مهماً من مصادر العملة الأجنبية للدولة؛ فقد كان لاعبو الكاميرون الدوليون مورداً لا ينضب للعملة الأجنبية، وفي الوقت الذي تفخر فيه الفيفا (الاتحاد الدولي لكرة القدم) بربط العولمة بالتطور الحديث لكرة القدم، فإن تاريخ اللعبة لم يكن كله حباً وتعاوناً؛ بل قد يصير قيداً على الدولة وعقاباً يمارس عليها من جانب المجتمع الدولي حتى تلتزم بقواعده وتقاليده المتفق عليها.

والحقيقة أن تاريخ كأس العالم لكرة القدم يعكس تلك العلاقة الشائكة بين السياسة والكرة إلى حد وجود رأيين متناقضين؛ أحدهما يدعو للفصل بين السياسة والكرة تكريساً لمتعة المشاهدة والمتابعة، بينما يؤكد الثاني استحالة الفصل بينهما، من ثم؛ ضرورة مضاعفة التداعيات الإيجابية واحتواء أية سلبيات.

وقد كان إنشاء الاتحاد الدولي لكرة القدم في 21 مايو/أيار 1904 في فرنسا ومقره زيورخ بسويسرا إعلاناً بميلاد رياضة عالمية سبقت التطور التكنولوجي في وسائل الاتصال، والذي خلق المواطن الكوني الذي لا تقيده الحدود ولا تكبله المسافات وتعنيه فقط متعة اللعبة الذكية.

وقررت الفيفا إنشاء مسابقة كأس العالم لكرة القدم، والذي استضافته لأول مرة الأوروجواي عام 1930، وشاركت مصر في الثاني بإيطاليا عام 1934 كأول دولة إفريقية وعربية وشرق أوسطية تشترك فيه، وفيما بين 1942 و1950، ألغيت المسابقة؛ بسبب نشوب الحرب العالمية الثانية.

ومنذ عام 1958، بدأت معالم التوظيف السياسي لمسابقة الكأس؛ حيث انسحبت من المسابقة التي استضافتها السويد العديد من الدول الإفريقية والآسيوية؛ بسبب مشاركة «إسرائيل»، ما أهلها للمشاركة دون أن تلعب مع أحد، وقد دفع ذلك الموقف «الفيفا» إلى إقرار مبدأ أنه لا يمكن أن تتأهل دولة لمسابقة الكأس دون أن تلعب في المباريات المؤهلة، وصار إلحاق «إسرائيل» بأية منطقة/ إقليم قضية سياسية كبرى؛ ففي عام 1970، أضيفت إلى المجموعة الأوروبية ثم تم تحويلها إلى المجموعة الآسيوية، حينها رفضت كوريا الشمالية اللعب معها باعتبارها دولة احتلال.

وفي مسابقة 1966 بالمملكة المتحدة، حرمت جنوب إفريقيا من المشاركة وحتى نهاية سياسة التمييز العنصري (أبارتهايد) عام 1994 بعد أن اعترفت «الفيفا» باتحاد الكرة لجنوب إفريقيا في أعقاب الإفراج عن نيلسون مانديللا وتوليه الحكم في جنوب إفريقيا، كما انسحبت الدول الإفريقية من المسابقة؛ بسبب تخصيص «الفيفا» مكاناً واحداً لكل من إفريقيا وآسيا

ما يشير إلى سياسة تمييزية ضد دول القارتين مقارنة بالدول الأخرى. وفي عام 1969 ولأول مرة في تاريخ المسابقة تقع حرب شاملة بين هندوراس والسلفادور نتيجة أعمال العنف التي قام بها المهاجرون السلفادور ضد منشآت هندوراس بعد أن فازت على بلدهم، وقد أطلق على هذه الحرب حرب كرة القدم، وقد حدث ما كان يمكن أن يتطور إلى أزمة مثيلة بين مصر والجزائر عام 2009 في لقاء فريقيهما، في أم درمان بالسودان، في مباراة التأهل لكأس العالم بجنوب إفريقيا 2010.

وفي الحالتين، لعب الإعلام دوراً مدمراً؛ حيث تم تضخيم الأحداث والوقائع والتعبئة الشعبية العدائية بصورة يصعب التحكم فيها أو احتواؤها، وفي مسابقة عام 1994، لم يسمح ليوغوسلافيا بالمشاركة بسبب العقوبات المفروضة عليها من الأمم المتحدة من جراء الحرب في البوسنة والهرسك.

ونظراً لما تمثله استضافة مسابقات كأس كرة القدم من أهمية رمزية كبرى للدولة المضيفة تستثمر الدول إمكانات وموارد ضخمة للتأثير على أعضاء مجلس إدارة الفيفا عند التصويت لاستضافة الكأس؛ ففي عام 2008، دخلت مصر في منافسة حادة مع جنوب إفريقيا؛ لكي تصبح أول دولة إفريقية تستضيف الكأس، ولكنها خسرت لمصلحة جنوب إفريقيا.

وعلى الرغم مما أثير عن إمكانية قيام جنوب إفريقيا بتقديم رشاوى للحصول على أصوات أغلبية أعضاء مجلس إدارة الفيفا إلا أنه لم يثبت ذلك، وصارت جنوب إفريقيا أول دولة إفريقية تستضيف الكأس، وقد حدث شيء مماثل حين نجحت قطر في الحصول على استضافة مسابقة كأس العالم عام 2022 لكي تصير أول دولة في الوطن العربي والشرق الأوسط؛ بل وفي آسيا (بعد كوريا واليابان عام 2000)، تستضيف المسابقة؛ فقد تنافست معها أستراليا واليابان وكوريا الجنوبية والولايات المتحدة ثم انحصر التنافس في الجولة الأخيرة بينها وبين الولايات المتحدة وحصلت على 14 صوتاً في مقابل 8 أصوات للولايات المتحدة، وعلى الرغم من الاتهامات الموجهة إليها باستخدام الرشاوى المالية للحصول على أغلبية الأصوات، وعلى الرغم من اتهام منظمة العفو الدولية لها باستخدام السخرة في بناء الملاعب، إلا أنها لا تزال الدولة المضيفة وأكثر من ذلك؛ فقد غيرت ميعاد المسابقة من مايو إلى ديسمبر، كما غيرت المباراة النهائية إلى يوم 18 ديسمبر، والذي يمثل العيد الوطني لقطر.

فهل يمكن أن تتحول اتهامات السعودية والإمارات والبحرين ومصر لقطر بدعم ومساندة الإرهاب إلى مسوغ لسحب هذه المسابقة منها؟ يبدو أن هذا جائز خصوصاً أن بريطانيا قد عرضت استضافة الكأس في هذه الحالة، يضاف إلى ذلك أن مصر والسعودية تقدمتا بشكوى إلى «الفيفا» ضد احتكار بث قناة «بي إن» القطرية لمباريات الكأس استناداً إلى أنه لا يمكن للدول المشاركة في المسابقة أن تحرم من مشاهدة فرقها المتنافسة على الكأس أو أن يدفع المشاهد لقناة «بي إن» 45 دولاراً، وأكثر من ذلك؛ فإن التليفزيون «الإسرائيلي»، نكايةً في الجزيرة/ قطر وإبداءً لحسن النية وتقرباً من المواطنين العرب المولعين بكرة القدم، قرر بث مباريات كأس العالم جميعها باللغة العربية على قنوات غير مشفرة.

وإذا كانت دبلوماسية البينج بونج، التي مهدت لزيارة الرئيس نيكسون إلى الصين في أوائل السبعينات، قد فتحت صفحة جديدة من التعاون والتفاعل الودي بين البلدين، وإذا كانت زيارات لاعب كرة السلة الأمريكي دينيس رودمان لكوريا الشمالية منذ عام 2016 وصداقته الشخصية برئيسها كيم جونج أون المولع بكرة السلة، قد لعبت دوراً في التمهيد للتقارب الراهن بين البلدين؛ فإنه من المؤكد أن كرة القدم تلعب هذا الدور في التقريب بين الشعوب خصوصاً الشباب الذين يشكلون ما لا يقل عن 50% من سكان العالم، والذين يتفاعلون خارج حدود الدولة القومية.

ولا شك أن استضافة روسيا لمسابقة كأس العالم 2018 دون أن تقاطعها الولايات المتحدة أو الدول الأوروبية بالرغم من الخلافات السياسية بينها وبين روسيا، يعد خطوة مهمة لتأكيد الدور الإيجابي لكرة القدم، من ثم؛ فإن كرة القدم، وهي اللعبة الدولية الشعبية المحبوبة يمكن أن تصير أداة فاعلة في التحول الذهني من المواطن الكوني إلى الجماعة العالمية التي ترنو إلى التخلص من الصراع والحروب وتعميق عرى السلام والتعاون.

“الخليج”