aren

القضايا الأساسية في النظرية الماركسية \\ بقلم : د. أشرف منصور
الأربعاء - 21 - فبراير - 2018

 

كارل ماركس

ما هي الماركسية ؟ الحقيقة أن هذا السؤال نادراً ما كان يطرح في القرن العشرين، ربما لشهرة الماركسية آنذاك ولشيوع تعريفات كثيرة لها آتية من الفهم المسبق الذي كان يربطها بأنظمة اشتراكية.

لكنه عاد ليطرح نفسه مرة أخرى على الساحة الثقافية العالمية، ومن قبل المفكرين الماركسيين أنفسهم بهدف إعادة تعريف الماركسية، رغبة منهم في المحافظة على شيء من الفكر الماركسي بعد أن تزايدت الدعاية الرأسمالية السوداء ضد هذا الفكر والتي أصرت على فشل الماركسية في التطبيق العملي.

في هذه الدراسة سوف أحاول العثور على إجابة عن هذا السؤال، وذلك بالاستعانة بعمل لعالم الاجتماع الأمريكي شارلز رايت ميلز والذي وضع الأفكار الماركسية الأساسية في صورة ( 17) نقطة في غاية التركيز.

وسوف يكون منهجي في التعامل مع هذه النقاط ، هو تحويلها إلى قضايا نظرية ، ثم شرحها والتعليق عليها، وتوضيح ما إذا كانت لا تزال صالحة لتحديد طبيعة الفكر الماركسي ، ولوصف حقيقة المجتمع المعاصر، أم أن التاريخ قد تجاوزها ؛ وهل تجاوزها كلها ، أم تجاوز البعض منها فقط ؟

لكن قبل أن نبدأ بالتعامل مع هذه القضايا النظرية ، يجب علينا أن نعود إلى سؤالنا الأول ، وهو “ما هي الماركسية ” ؟ .

تطلق كلمة “الماركسية” على ذلك الإنتاج الفكري ، الذي قدمه عدد من المفكرين ، الذين يتبنون نظرة ماركس للاقتصاد والتاريخ والمجتمع والسياسة ، سواء كانوا مخلصين لحرفية نصوص ماركس ، أو كانوا معدلين منها أو مطورين لها أو مراجعين ، كما تطلق على إنتاج ماركس نفسه.

والمفارقة في هذه التسمية ، أنها لم تكن من وضع ماركس ذاته ، بل من وضعها صديقه ” فريدريك إنجلز” . فلم يصف ماركس أفكاره بأنها “ماركسية”، ولم يقل أبداً أنه يقدم “ماركسية” أو مذهباً ماركسياً ، ذلك لأن ماركس ، كان يكره المذاهب ، ويبتعد تماماً عن الانغلاق الفكري ، المصاحب بالتمسك بمذهب اقتصادي أو سياسي.

وفي أواخر سنواته ، قال ماركس : ” إنه ليس ماركسياً ” ، بمعنى أنه لم يقدم مذهباً أو نسقاً فكرياً مغلقاً على ذاته ، بل قدم رؤية للتاريخ ، ونظرية في تفسير حركة المجتمع الرأسمالي ، ونقداً للاقتصاد السياسي.

وانني أرى أن تسمية الإنتاج الفكري لماركس ب”الماركسية ” ، يعبر عن فقر اللغة ، وندرة المصطلحات بالمقارنة بالغنى والعمق والجدة الموجودة في أعمال ماركس ، فعندما وجد المفكرون ، أن ماركس قد قدم عملاً جديداً غير مسبوق ، ولم يجدوا له مثيلاً ، ولم يستطيعوا تصنيفه في المقولات الفكرية والنظرية المعتادة ، أسموه باسم الكاتب ، وأطلقوا عليه “الماركسية”.

لكنه في الحقيقة ، ما يمكن أن نسميه ب”المادية التاريخية” كتعبير عن الرؤية العامة ، التي يتبناها ماركس إزاء المجتمع وحركته وتطوره التاريخي ، فالمادية التاريخية ، هي الاسم الذي ارتضاه ماركس في أحد أعماله ، وهو “مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي” (1859) كإسم لتوجهه النظري، وإن كانت هذه التسمية نادرة التكرار في أعمال ماركس التالية.

والمادية التاريخية ، تعبر عن محاولة تفسير حركة التاريخ من أساسه المادي ، وهو تعاقب أنماط الإنتاج المادي، باعتبار أن القاعدة المادية للمجتمع ، هي أساس كل البناء الاجتماعي من سياسة ، قانون ، دين ، وأخلاق…إلخ.

كما ، يمكن أن نسمي الإنتاج الفكري لماركس ، باسم العلم الذي كان يشتغل عليه ، ويقدم له النقد ، ويؤسسه على دعائم جديدة ، وهو “الاقتصاد السياسي”.

فلا يجب أن ننسى ، أن العنوان الفرعي لكتابه “رأس المال” ، هو “نقد الاقتصاد السياسي” ، وقد انشغل ماركس في مشروع النقد هذا ، منذ أربعينيات القرن التاسع عشر وحتى وفاته ، ونستطيع أن ننظر إلى مجمل إسهامات ماركس في النظريات الاجتماعية ، السياسية ، التاريخية ، والقانونية على أنها توسيع لمشروعه الأصلي في تأسيس ” اقتصاد سياسي جديد”.

عرفت القضايا ال”سبع عشرة ” التالية ، على أنها هي ما يميز النظرية الماركسية ، وهي منتشرة عبر كل المؤلفات التي تقدم عروضاً للفكر الماركسي ، لكن يكمن إسهام (رايت ) ميلز ، في أنه جمعها وركزها في هذه الصورة.

(1) الأساس الاقتصادي للمجتمع هو الذي يحدد البناء الاجتماعي ككل، بالإضافة إلى نفسية الشعب داخل هذا البناء.

(2) ديناميات التغير التاريخي هي الصراع بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج.

(3) الصراع الطبقي بين الملاك والعمال هو انعكاس اجتماعي – سياسي ونفسي للصراعات الاقتصادية الموضوعية.

(4) الملكية باعتبارها مصدراً للدخل هي المحك الموضوعي للطبقة: والطبقتان الأساسيتان في الرأسمالية هي الملاك والعمال.

(5) الصراع الطبقي هو الشرط المعتاد في المجتمع الرأسمالي، لا الانسجام أو التوازن.

(6) لا يمكن للعمال داخل المجتمع الرأسمالي الانفلات من شروط استغلالهم ولا من مصيرهم الثوري بأن يفوزوا بحقوق قانونية أو سياسية أو امتيازات أخرى. والاتحادات والأحزاب العمالية هي مجالات مفيدة للتدريب الثوري ، لكنها لا تضمن الاشتراكية.

(7) الاستغلال متضمن في الرأسمالية باعتبارها نظاماً اقتصادياً، وهذا ما يزيد من فرص الثورة.

(8) النباء الطبقي يصير أكثر استقطاباً، وبالتالي يزيد من الفرص الثورية.

(9) البؤس المادي للعمال سوف يزداد، مع اغترابهم.

(10) العامل الأجير سوف يتحول إلى بروليتاري.

(11) لا تتوافر فرصة الثورة إلا عند نضوج الشروط الموضوعية والاستعداد الذاتي، ثم تلتقي معاً.

(12) الأهمية الوظيفية لطبقة ما في الاقتصاد تؤدي إلى صعودها السياسي في المجتمع ككل.

(13) الدولة في كل المجتمعات الطبقية هي أداة الإرغام في يد طبقة الملاك.

(14) الرأسمالية تمر بأزمات اقتصادية الواحدة تلو الأخرى، وتزداد هذه الأزمات سوءاً، حتى تنتهي إلى أزمة عامة شاملة تتبعها ثورة البروليتاريا.

(15) المجتمع ما بعد الرأسمالي سوف يمر بمرحلة انتقالية وهي ديكتاتورية البروليتاريا، ثم سينتقل إلى مرحلة أعلى وهي الشيوعية.

(16) على الرغم من أن البشر يصنعون تاريخهم، إلا أنهم يصنعونه في ظل شروط ليست من صنعهم، وبالتالي فإن التغير التاريخي محدود وحتمي.

(17) البناء الاجتماعي مشروط بقاعدته الاقتصادية، وبالتالي فإن مساره التاريخي محدد بالتغير في هذه القاعدة الاقتصادية.