aren

الفساد كفكرة نبيلة \\ كتابة: جهاد الزين
السبت - 9 - مارس - 2019

الفساد

تتجلى دائما في مناسبات معينة قوةُ النظام السياسي اللبناني وتفاهةُ دولته ووقاحة طبقته السياسية. الآن لدينا مناسبة ثمينة يرخص فيها الفساد مفهوماً ومعاييرَ ووقائعَ وأشخاصا.

مرة أخرى المآل الذي يهبط إليه الفساد في لبنان يثير الحزن. فالفساد، ومكافحة الفساد ليست إلا من متفرعاته، قيمة فكرية ومعيارية و”حَوْكميّة” عالية لم يتم تبنّيها في الفكر القانوني إلا في مسار طويل ومعقد جعلتها إحدى القيم العقابية الرئيسية في النظام القانوني ومفتاح التطور الديموقراطي لأي دولة – مجتمع وبالتالي معيار تخلّفِها – تخلفِّه بالتوازي.

كان الحد من السلطة أساس الديموقراطية، أما مع دخول معيارية الفساد فصارت هي قيمة مستقلة تشكل اليوم حضاريا أحد النجاحات الثابتة الكبرى للتفوق الغربي في العالم.

الفكرة الفسادية لا تنفصل عن الفكرة العقابية. لا خيار آخر في ما وصلت إليه القوانين الوضعية.

السياسيون الذين لا يخضعون للعقاب في أي دولة هم آلهة. في لبنان آلهة ماليون، ميليشياويون، مخابراتيون ( ولكن آلهة عميلة وتابعة).

لا آلهة في دولة محترمة حضاريا. وإذا وُجِد، فإن قاضيا ضمن مسار قضائي بإمكانه في لحظة وضعه وراء القضبان.

كتبتُ على صفحتي على الفايسبوك يوم الأحد المنصرم، وقد باتت فكرة مقالي تولد غالبا على الفايسبوك أو التويتر، على أمل أن لا يكون قد أصبح الفايسبوكيون والفايسبوكيات مواطنين عالميين أكثر حريةً من قراء الصحف ومن الصحافيين المحليين حتى لو كان الشخص نفسه هناك وهنا، كتبتُ:

“بإعجاب شديد أتابع فصول إدانة بنيامين نتنياهو في القضاء الإسرائيلي. المستقبل الواعد لأي دولة يكمن هنا. هنا بالضبط: القدرة على محاسبة الحاكم. وبيأس كامل أتابع فصول ادعاءات “مكافحة” الفساد في لبنان.

“تستطيعون أن تتخيّلوا، بل أن تجزموا بـ عبث وإجرام “مكافحة” الفساد في لبنان. لا أستثني أي طرف”.

إسرائيل هي دولة بالتأكيد ذات مستقبل لأنها دولة مكافحة فساد حقيقية، رغم تكوينها العنصري الكريه ضد الفلسطينيين. ولذلك تتجه بقوة ونجاح إلى المستقبل (باسم كل النظام الغربي) كما اتجهت الولايات المتحدة الأميركية بالتوازي مع بنيتها العنصرية ضد السود لتكون قوة حضارية متفوقة. أميركا تحكم العالم وإسرائيل تتجه لتحكم، على الأقل تقود، المنطقة المحيطة بها. عام 1993 نال الاقتصادي الأميركي روبرت فوغل جائزة نوبل في الاقتصاد، وبين أسباب فوزه الأساسية نظريتُه في كتاب وضعه عام 1974 مع زميله ستانلي إغرمان حول: “اقتصاديات عبودية السود الأميركية”.

فالباحثان تحدّيا النظرية التقليدية التي كان مسلّما بها أن العبودية غير مربحة اقتصاديا، وكانت في تراجع في سنوات ما قبل الحرب الأهلية. أبحاثهما أثبتت العكس وهو أن مزارع العبيد السود كانت منتجة مثل المزارع الحرة وأن حيوية العبودية كما اقتصاد الجنوب الأميركي كانا في ازدياد!

لبنان في إعجابه بنظرية “الأعجوبة اللبنانية” التي سادت أيام الأب لوبريه وبعثة إيرفد في العهد الشهابي كانت بعض نخبه تعتقد أن الاقتصاد غير الشرعي في ذلك الزمن، أي فساد ذلك الزمن، كان أحد أسباب الازدهار اللبناني. زراعة والأهم تجارة المخدرات، المال السياسي للأحزاب، المال السياسي في الصحافة، تجارة السلاح، السياحة غير الشرعية إلخ… الجديد المختلف الذي يمنع تجديد هذه النظرية، أي الفساد كمصدر للازدهار الاقتصادي، هو أن النهب منذ ربع قرن، منذ اتفاق الطائف، يطال المال العام أي مال الدولة بشكل لا سابق له في تاريخ الدولة.

كانت العهود السابقة تنهب من مال وفي مال القطاع الخاص أو مال الخارج الخاص أساسا، (وبعض المال العام غير المديون). أما في ربع القرن المنصرم ففُتِحت خزائن الدولة بمداخيلها ومديونياتها لكل القوى المنتصرة في الحرب وحلفائها ومريديها ثم المنتصرة لاحقا بعد الخروج السوري.

فساد انحطاط الدولة اللبنانية يختلف على هذا المستوى البنيوي عن الفساد القديم. باستثناء فترة الحرب الأهلية (1975 – 1990) التي جرى النهب فيها بلا قوانين خلافا لما حصل لاحقا والمستمر. ولذلك فإن الجملة الجوهرية في حكم القاضية فاطمة جوني ليس حق بيار الضاهر وشركائه بملكية تلفزيون LBC الحالي. فهذا ثانوي جدا في الشأن العام، بل هي عدم شرعية وعدم قانونية أموال الميليشيا العائدة للدولة، ولعل السيدة القاضي في هذا الحكم حكما تاريخيا ضد جميع الميليشيات يصلح اجتهادها لفتح دعاوى استرداد الدولة كل ثروات الميليشيات السنية والشيعية والدرزية كما المسيحية المكتسبة خلال الحرب الأهلية. ماذا لو قامت محكمة التمييز بالاستناد إلى هذا الاجتهاد لإبطال كل مستندات ثروات جميع الميليشيات وأشخاصها المعروفين؟ (هذا النوع من المراجعات هو وظيفة المحكمة العليا في أميركا وستكون لي عودة إلى هذا الحكم القضائي كحكم بعدم شرعيّة كل أموال الميليشيات خلال الحرب بعد الانتهاء من قراءة نصّه كاملاً – 120 صفحة فولسكاب).

نهب المال العام خلال ربع قرن بشراكة ومن دون شراكة جعل من المسلّم به أن ما ينتظرنا هو الانهيار القريب أو الأرجح الأبعد بسبب ظروفنا كبيئة خدمات سلمية لحروب المنطقة هناك مصلحة وتوافق دوليان على عدم تفجيرنا الآن، رغم صدمة المجتمع الدولي من خفة ووقاحة سلوكيات الطبقة السياسية اللبنانية.

مع ذلك لازال هذا “المجتمع الدولي” وخصوصا الفرنسيين، وبالأخص الرئيس إيمانويل ماكرون مقصّرين في التأنيب العلني لهذه الطبقة السياسية اللبنانية منذ مؤتمر سيدر، وكل ما فعله السياسيون اللبنانيون هو عكس تعهداتهم منذ ذلك الحين.

الطبقة السياسية اللبنانية بكل تشكيلاتها هي دائما من فئتين: المكشوفون والمختبئون وراءهم في كل “معسكر” مالي أو مدني أو ميليشياوي.

“النهار”