aren

العودة السورية المرتقبة وجدوى المقاطعة \\ كتابة : محمد صفيَ الدين خربوش
السبت - 4 - ديسمبر - 2021

ثمة دلائل قوية على اقتراب العودة السورية إلى جامعة الدول العربية بعد تعليق عضويتها فى الجامعة منذ قرابة عشر سنوات. ومن المتوقع أن تشهد القمة العربية المزمع عقدها فى الجزائر فى مارس القادم الإعلان الرسمى عن تلك العودة.

وتثير تلك العودة المرتقبة تساؤلًا حول جدوى المقاطعة العربية لإحدى الدول الأعضاء فى جامعة الدول العربية لفترة من الزمن، ثم العودة مرة أخرى وإنهاء المقاطعة التى تُلقى عادة بآثارها السلبية على الشعوب العربية. ومن الثابت أن جميع قرارات المقاطعة وتعليق عضوية إحدى الدول العربية لم تحقق أى فائدة تُذكر، بل أدت فى معظم الحالات إلى نتائج تناقض الهدف المعلن من قرار المقاطعة.

لم يسفر تعليق عضوية مصر ونقل مقر جامعة الدول العربية من القاهرة إلى تونس عن أى نتائج إيجابية لا لمصر ولا للقضية الفلسطينية، ولا للصراع العربى- الإسرائيلى. وعلى النقيض، فقد اجتاحت إسرائيل الأراضى اللبنانية واحتلت العاصمة بيروت، وارتكبت مذابح صابرا وشاتيلا، وأجبرت المقاومة الفلسطينية المسلحة على مغادرة الأراضى اللبنانية إلى مناطق بعيدة عن الحدود الإسرائيلية. واندلعت الحرب العراقية- الإيرانية، وعانت الأراضى العراقية من تهديد الاحتلال الإيرانى بعد أن مالت كفة الحرب لمصلحة إيران.

واضطلعت مصر بدور أساسى فى دعم القوات المسلحة العراقية للصمود فى مواجهة الخطر الإيرانى، بالرغم من استمرار تعليق عضويتها فى جامعة الدول العربية. وبالرغم من خطيئة الاحتلال العراقى للكويت، لم تؤدِ مقاطعة العراق إلا إلى مزيد من المعاناة للشعب العراقى من ناحية، وإلى مضاعفة النفوذ الإيرانى بعد الاحتلال الأمريكى والقضاء على النظام العراقى السابق. وبدلًا من الانتباه إلى عدم جدوى المقاطعة، تم تعليق عضوية سوريا نتيجة أزمة داخلية تطورت إلى حرب أهلية مدمرة شاركت فى تأجيجها قوى إقليمية ودولية، ودفع ثمنها غاليًا الشعب السورى.

وقد أدت المقاطعة العربية إلى غياب أى دور عربى فى تطورات الأزمة السورية، وإلى اتساع نفوذ قوى إقليمية ودولية داخل سوريا، سواء منها من قدم الدعم للنظام السورى، أو من وقف إلى جانب معارضى النظام. لقد أسفرت الحرب الأهلية السورية عن تدمير معظم المدن والقرى السورية، ومقتل وإصابة مئات الآلاف من السوريين، وتحول ملايين السوريين إلى لاجئين فى أماكن إقامة رثة وغير ملائمة، لاسيما فى البرد القارس، وغياب ملايين الأطفال عن الالتحاق بالمدارس، ومعاناة الاقتصاد السورى من خسائر بمليارات الدولارات.

وبعد كل هذه النتائج المأساوية، يتم الترتيب للعودة السورية إلى جامعة الدول العربية و«تطبيع» العلاقات العربية مع دمشق. ومن ثم، نأمل أن تختفى كلمات المقاطعة، وتعليق العضوية من قاموس العلاقات العربية- العربية، وألا تدعى دولة أو دول عربية أن من حقها أن تقرر مصير دولة عربية أخرى، أو أن تملى عليها السياسات التى تتبناها أو القرارات التى تتخذها.

ويجب أيضًا أن تقتنع كل الدول العربية، الكبيرة والمتوسطة والصغيرة، أن من حق كل شعب عربى أن يقرر، دون وصاية من أحد، استمرار النظام السياسى أو تغييره، والإبقاء على النخبة الحاكمة أو اختيار نخبة جديدة. ومن المثير للدهشة أن تطالب بعض الدول العربية القوى الإقليمية والدولية بعدم التدخل فى الشؤون الداخلية للدول العربية الأخرى، ثم تعطى نفسها الحق فى التدخل. لقد آن الأوان بعد كل تلك الكوارث التى حاقت بالعرب خلال نصف القرن المنصرم أن تتوقف جامعة الدول العربية عن اتخاذ أى قرارات فى المستقبل بمقاطعة إحدى الدول العربية، حفاظًا على مصالح كل دولة عربية وكل شعب عربى، وعلى مصالح الدول والشعوب العربية مجتمعة.

“المصري اليوم”